طارق البشري ينشر ملاحظاته على مشروع الدستور الجديد


كتب طارق البشري ...

اولا

ان قول الحق لا يدع لي صديقا. وبعبارة ادق فان ما احسبه قول حق لا يدع لي صديقا. وهذا ما سعيت الي التمسك به ما وسعني السعي في الايام الماضية , وارجو الله سبحانه ان يعينني عليه ما بقي لي من ايام تالية.

كان يمكن لمشروع الدستور الذي انتهي اعداده اخيرا ان يكون مقبولا تماما , وان يكون ما يرد عليه من ملاحظات سلبية مما ينزل من منزلة التفاصيل التي لا تغير من الحكم النهائي عليه او الموقف الكلي ازاءه. كان يمكن ان يكون الامر كذلك لولا مسالتين اظنهما علي مستوي مهم من الاهمية و الخطورة , لا في اثرهما كاحكام دستورية فقط , ولكن فيما ينبئان عنه من منهج غير حميد , يخشي من اتباعه مستقبلا في شتي الامور. وهذان الامران وردا في آخر نصوص المشروع , وكانهما تركا للنهاية حتي يغفل عنهما الحاضرون ولا يفطنوا الي ما يدلان عليه من خلل عميق في الاستقامة النهجية لدلالتهما. وهما المادتان 235 , 236 واولاهما خاصة بالمحكمة الدستورية , و الثانية خاصة بالعمال و الفلاحين.

نصت المادة 235 ' يستمر رئيس المحكمة الدستورية العليا واقدم عشرة اعضاء بالعمل في المحكمة , علي ان يعود باقي الاعضاء الي اماكن عملهم التي كانوا يعملون بها قبل تعيينهم بالمحكمة ' . وكانت المادة 176 قد حددت تشكيل المحكمة الدستورية برئيس وعشرة اعضاء فقط. وهذا جميعه يعني ان المادة 235 فصلت ما يزيد من قضاة المحكمة علي العشرة , فصلتهم من وظائفهم بها ونقلتهم الي وظائف اخري. وهكذا تضمن مشروع الدستور الذي سيستفتي عليه الشعب المصري لتنظيم دولته وحياته الديمقراطية لمدي من السنين القادمة التي لا يعرف عددها , تضمن قرارا بعزل قضاة من المحكمة الدستورية من وظائفهم. و السؤال الذي يثور هو ' اليس في ذلك نوعا من التدليس ' , و التدليس لغة هو كتمان العيب و المخادعة واخفاء ما يستوجب الرفض او الاستهجان. ووجه التدليس انك تفصل قضاة باسمائهم في صيغة نص دستوري شديد العمومية و التجريد , وتختلس عليه موافقة الناخبين دون ان يدركوا.

ان السيد رئيس الجمهورية الذي انتخب انتخابا نزيها وحرا , وبدا يمارس سلطة التشريع التي القيت عليه رغما عنه في غيبة المجلس النيابي التشريعي , كان وعد المصريين بالا يمارس سلطة التشريع الا في اضيق نطاق و الا يستخدمها الا في حالات الضرورة القصوي. وان ما لاحظناه مع صادق حفظه لهذا الوعد بالنسبة للقوانين , قد اكسب نفسه بغير حق سلطة اصدار التشريع الدستوري الذي يعلو علي القانون ولا تملكه سلطة التشريع , وذلك بما اصدر من اعلانات دستورية , كان اولها في 11 اغسطس وكان الثاني في 21 نوفمبر 2012. وبممارسة سلطة التشريع الدستوري هذه فصل النائب العام السابق وعين بديلا عنه , وانتقص من ولاية السلطة القضائية ما يمس ما يصدره من قرارات او قوانين , ومنح السلطة التنفيذية امكان تشكيل نيابات خاصة ومحاكم خاصة لنظر دعاوي خاصة. وبذات النهج يراد بالدستور الذي سيستفتي عليه الشعب ان يعزل قضاة من المحكمة الدستورية ويكون لرئيس الجمهورية من بعد سلطة التعيين في هذه المحكمة. فيحمل هذا الدستور الديمقراطي الناتج عن ارادة الشعب وثورته , يحمل وصمة الاعتداء علي السلطة القضائية في تشكيل من اعلي تشكيلاتها , مع ان من اهم المطالب الديمقراطية ومن اهم خصائص الدستور الديمقراطي ان يصون مؤسسة القضاء ويحصن قضاتها.

قد نختلف مع المحكمة الدستورية في بعض ما تنتهي اليه , سواء في منطوق احكامها او في الاسباب التي بنيت عليها الاحكام. ولكن لا يجوز علي الاطلاق ان نغض الطرف عن مبدا حمايتها , ولا ان نتهاون في الوقوف ضد كل من يحاول ان يعتدي علي وجودها او علي استقلالها. فهي جزء اصيل من القضاء المصري , وقد استكمل القضاء المصري بوجودها كامل سيادته علي كل التصرفات و الانشطة التي تصدر من الدولة , وهي حامية الدستور من ان يلحقه اي عسف من غلواء نزاعات السياسة في المجلس التشريعي , وهي صارت ذات مبادئ وتراث في نظمنا الحقوقية. ويتعين كل حقوقي يحترم عمله وتجربته المهنية ان يقف يزود عنها كما يزود عن مؤسسات القضاء المصري جميعا.

والحاصل ان الرغبة في المساس بالمحكمة الدستورية او تغييرها و السيطرة عليها , لم تكن ناشئة عن انها اصدرت حكما اقتضي حل مجلس الشعب , ذلك ان الحكم الذي اقتضي حل مجلس الشعب قد صدر في 14 يونيو 2012. وقد سبق ذلك ما اثبته انا ' كاتب هذه السطور ' في مقال لي نشر في 10 مايو 2012 , وهو ان رئيس مجلس الشعب وقتها بمجرد الطعن في دستورية قانون انتخاب مجلس الشعب وبمجرد بدء نظر المحكمة الدستورية لهذا الامر , صرح رئيس مجلس الشعب في 2 مايو بان مشروع قانون قدم للمجلس ' لاعادة تشكيل المحكمة الدستورية ' , وصرح مسئولون قانونيون من الحزب ذي الاغلبية بمجلس الشعب انهم يطالبون باعادة تشكيل المحكمة وتغيير رئيسها , وذلك في 5 مايو ' يراجع المقال ' وقد اشرت في هذا المقال الي ان ثمة من يريد التاثير بالتهديد علي المحكمة.

والحاصل ايضا ان المجلس الاعلي للقوات المسلحة الذي تولي حكم مصر بعد الثورة وجرت الانتخابات النزيهة الحرة علي اياديه واسلم السلطة الي الهيئات المنتخبة من بعد , كان قد اصدر في 18 يونيو 2011 مرسوما بقانون برقم 48 لسنة 2011 اكسب المحكمة الدستورية استقلاليتها في تعيين رئيسها وقضاتها , بالنص علي ان ذلك يكون بقرار من الجمعية العمومية للمحكمة يصدر بعد القرار الجمهوري. وللاسف فان مشروع الدستور المطروح الآن قد تجرد في المادة 176 من هذا الحكم بما يتيح من جديد عودة السلطة الطليقة لرئيس الجمهورية في تعيين رئيس المحكمة وقضاتها علي ما كان عليه الوضع قبل الثورة ويكشف ذلك عن ان ثمة تخطيطا لاقرار اوضاع قانونية تكفل لرئاسة الجمهورية نوعا من الهيمنة علي القضاء الدستوري.

ولنا ان نقلق علي مصير استقلال القضاء كله , فان من يسعي سعيا ظاهرا غير مستتر لعزل كبار رجال القضاء وتعيين آخرين مكانهم حسبما ينبئ عن ذلك الاعلان الدستوري الصادر في 21 نوفمبر الماضي وحسبما يظهر من نصوص المحكمة الدستورية في مشروع الدستور المطروح , ان ذلك مما يتعين ان نحذر منه ويتوجب علينا ان نشير اليه ابراء للذمة واعلانا لموقف المعارضة الصريحة تجاه هذا السعي , فان المؤسسة القضائية المصرية , ايا كان ما يعتريها من شوائب وقتية , هي من اهم ما بنته الحضارة المصرية الحديثة استقلالا وكفاءة ومستوي مهني واخلاقي شديد الاحترام , وهي جزء مما يتعين استبقاءه و الدفاع عنه.

ولقد آلمني اشد الالم ما سمعته اخيرا وانا اكتب هذه الكلمات في مساء 2 ديسمبر 2012 من ان حشود المظاهرات تحيط بالمحكمة الدستورية وتمنع اعضاءها من الانعقاد وتتداول هتافات غير لائقة. ولا حول ولا قوة الا بالله.



ثانيا

الامر الثاني هو يتعلق بالمادة 236 الخاصة بالعمال و الفلاحين. ومنذ دستور 1964 تقرر مبدا ان يكون للعمال و الفلاحين نصف مقاعد المجلس النيابي , بحسب انهم يبلغون ما يصل الي نحو 80 في المائة من الشعب المصري , وهم العاملون في مجالات الانتاج كلها , وانهم يفتقدون الوسائل و المواقع التي تمكنهم من الظهور الاجتماعي , وتمكن الكفاءات القيادية منهم من الوصول الي مجالات التمثيل السياسي في مؤسسات الدولة. فلزم تيسير سبل الاتاحة لهم باعتبار ان ' الضعيف قوي حتي يؤخذ الحق له ' كما علمنا ابو بكر الصديق رضي الله عنه. وقد حاولت الطبقات المتميزة دائما ان تجور علي هذا الحق الدستوري , وذلك باطلاق تعريفات لمن هو العامل ومن هو الفلاح لا تقتصر عليهم فيستفيد غيرهم من هذه المزية.

وقد كان كل الرجاء في اطار الثورة الديمقراطية التي بدات مع 25 يناير 2011. ان يمتد اثرها الحميد الي ما يؤدي الي تفعيل هذا المبدا و الي رده الي حقيقة المقصود به من جماهير الشعب المصري المشاركين في الانتاج , وغير المتاح لهم التشكل في تنظيمات نقابية وسياسية تعبر عن حقيقة مصالحهم المشروعة واوضاعهم الاجتماعية و الثقافية , كما كان من المتصور المظنون ان التيارات الاسلامية وهي الاكثر شعبية تكاد تكون الوحيدة الآن القادرة علي الوصول الي هذه الفئات الشعبية وادراك ما تلاقيه وما تطمح اليه من حقوق مشروعة في العمل و الاجر العادل و التعليم و الصحة.

ولكن الحاصل ان مناقشات الجمعية التاسيسية لوضع الدستور لمن قدر له ان يتابع ما ينشر عنها , لم تات فقط خالية من تبني هذا الموضوع او اثارته و التمسك به بوصفه تقليدا تشريعيا دستوريا , وبوصفه يمثل اتاحة لحق التعبير و المشاركة في التقرير لاصحابها , لم تات خالية فقط ولكن هذه المناقشات تكاد تكون كشفت عن ان الغالب من اعضاء الجمعية التاسيسية كانوا متواصين علي اسقاط هذا الحق في صمت وكتمان , وكادوا ان يكونوا متفقين علي ذلك رغم الاختلافات العميقة في غير هذا الجانب ورغم ما كانوا عليه من فرقة واستقطاب حاد. وكان كلما اثار احد الاعضاء القليلين هذا الامر , يجري الحرص علي تاجيله علي وعد لا يتحقق ابدا بمناقشته فيما بعد. وقد سجل احد الاعضاء ان جري ذلك خمس مرات علي التوالي و التصميم. وحتي الجلسة الاخيرة التي اجيز فيها مشروع الدستور كاملا في مساء 22 , 23 نوفمبر , اثير الموضوع عند الحديث عن مواد السلطة التشريعية , فاجل الي آخر الجلسة في النصوص الانتقالية. ثم جاء النص الوارد بالمشروع مع فجر اليوم التالي بالصيغة الآتية :

' م 236 : يمثل العمال و الفلاحون بمجلس النواب بنسبة 50 في المائة , ويعتبر عاملا كل من يعمل لدي الغير باجر , ويعتبر فلاحا كل من عمل بالزراعة 10 سنوات علي الاقل , وذلك لمدة دورة برلمانية واحدة ' .

وهكذا اعترف بالحق لدورة واحدة مع تعريف لكل من العامل و الفلاح لا يفيد ضبطا ولا تحديدا , مع اسقاط هذا الحق بانتهاء الدورة البرلمانية الاولي مباشرة , ولو لم تكمل سنواتها الخمس.

لقد كنت اقترحت في مقال لي نشر في 9 , 10 نوفمبر 2012 اقتراحا يتعلق بهذا الامر , وذلك علي مسودة الدستور التي ظهرت وقتها , فقد كنت لاحظت خلو النص من الاقرار بالنسبة المقررة للعمال و الفلاحين و التي صارت تراثا في التشريع الدستوري المصري علي مدي نصف قرن حتي الآن. واقترحت تقريبا لوجهات النظر ازاء هذا الصمت المريب و الاغفال المتعمد , ان يشكل مجلس الشوري بالانتخاب الشعبي العام من مرشحين عن الاتحادات و النقابات الفلاحية و العمالية و المهنية و الجمعيات , وان يكون هذا المجلس مختصا بالمشاركة في اصدار التشريعات الخاصة بالاوضاع الاقتصادية و الاجتماعية وشئون الانتاج وتوزيع الدخول. وحاولت في سبيل الاقناع بهذا الامر وتسويقه ان يكون ما ورد بمسودة الدستور عن المجلس الاستشاري للسعي ' المجلس الاقتصادي و الاجتماعي ' , يكون هو مجلس الشوري في التشكيل البرلماني. ولكن لم يلتفت احد لهذا الاقتراح و الاكثر من ذلك انه مع اسقاط هذا الحق الذي كان معترفا به دستوريا للجماهير الغفيرة في مصر , فان تشكيل مجلس البرلمان بالمشروع لم يسقط هذا الحق فقط , ولكنه بالغ في الترفع غير المحمود وفي النخبوية التي اراها مذمومة لانها تقوم معزولة عن جماهير الشعب المصري. ولم يكتف التشكيل البرلماني بان يشترط في المرشح لعضوية مجلس النواب ان يكون عارفا بالقراءة و الكتابة , كما كانت النظم الدستورية في مصر تكتفي منذ 1923 , بل اكمل لاول مرة في التاريخ الدستوري المصري ان يكون المرشح لمجلس النواب حاصلا علي ' شهادة اتمام التعليم الاساسي ' مما تفتقده نسبة كبيرة من المصريين , نسبة لا يحق لاحد تجاهل اهلها ووجودهم وحقهم في المساهمة في شئون بلادهم. كما ان هذا الشرط يجعل لوزارة التربية و التعليم سلطة تحديد من لهم حق الترشح في مجلس النواب. لانها هي من يحدد نتائج التعليم الاساسي , توسعة لمناهجه او اختزالا , وخفضا لمراحله او ارتفاعا , وتكثيرا للحاصلين عليه او تقليلا. بخلاف شرط معرفة القراءة و الكتابة فهو لا يتوافر بموجب شهادة صادرة من جهة ما وهو مما يمكن اي فرد او جهة او شهود او محاكم ان تستوثق من مدي توافره عند النزاع و الخلاف.

ثم بالغ مشروع الدستور اكثر , فجعل لمجلس الشوري المشارك في السلطة التشريعية واصدار القوانين , ان يكون اعضاؤه من مرشحين حاصلين علي ' احدي شهادات التعليم العالي علي الاقل ' وهؤلاء في مصر تبلغ نسبتهم في التعداد الرسمي المصري لسنة 2006 نسبة 9.3 في المائة ومعهم 0.4 في المائة حاصلين علي شهادات اعلي كالماجيستير و الدكتوراه. فيكون المجموع كله 9.7 في المائة , وقد يزيد هؤلاء في سنة 2012 بما يقدره علماء الاحصاء بنحو 2 في المائة اخري. فتكون النسبة الاجمالية لا تجاوز الآن 12 في المائة وهؤلاء فقط هم من يقر لهم الدستور بالنسبة لمجلس الشوري بحق المواطنة وتمثيل الشعب المصري كله , و المشاركة في اصدار القوانين و التشريعات , وتكون موافقة مجلس الشوري بهذا التشكيل علي القوانين هو ما به تصح وتصدر. بمعني ان صار لهذه النسبة المحدودة من المواطنين سلطة اعتراض او وجه من وجوه الاعتراض. وان الاغلبية المكلفة في هذا المجلس تملك تعطيل القانون الذي وافقت عليه الاغلبية المطلقة لمجلس النواب , رغم ان عدد الاعضاء في مجلس الشوري عادة ما يقل عن نصف عدد اعضاء مجلس النواب بمعني ان صوت العضو بمجلس الشوري يعادل اكثر من صوتين من اعضاء مجلس النواب. وهذا الوضع النخبوي المذموم في ظني هو ما استعيض به عن نسبة العمال و الفلاحين.

والعجيب ان الحكم الخاص بنسبة العمال و الفلاحين يرد في آخر نصوص مشروع الدستور ويتقرر لدورة برلمانية واحدة. وحتي في هذه الدورة الواحدة فكيف يستقيم ان تعتبر النسبة صحيحة مع بقاء اشتراط شهادة التعليم الاساسي التي ستجعل من يستفيد من النسبة خارج الغالبية الغالبة لمن يعتبر حقيقة عاملا او فلاحا.

وان ايراد النص بهذه الصورة الملتفة ولدورة واحدة , يظهر ان سببه مما يسهل استنتاجه , لان واضعي مشروع الدستور خشوا ان يكون اسقاط هذا الحق التاريخي من شانه اشاعة روح رفض مشروع الدستور بين العمال و الفلاحين فلا يحصل المشروع في الاستفتاء علي الاغلبية المطلوبة فوضع الحكم لاسترضاء هذه الجموع لتسويغ الموافقة علي المشروع , مع تصميم مسبق علي اسقاط حقهم فور اقرار الدستور , وهذا في ظني وجه من وجوه التدليس في صياغة النصوص و الاحكام , كنت اتمني ان نعُفَ عنه وان نتنزه عنه بدافع سياسي يتعلق بانتمائنا جميعا الي الشعب المصري وجموعه , وبدافع اخلاقي يتعلق بالفكر العقيدي السامي الذي نحمله جميعا بحق وحرص.

انهي حديثي بما بداته به من ان مشروع الدستور اكثر جوانبه العديدة طيبة ومقبولة. ولكن الملاحظتين السابقتين كانتا مما لا اطيق الصبر عليه امانة مع النفس وابراء للذمة امام الله سبحانه وتعالي.
والحمد لله

ليست هناك تعليقات :