اذا لم تحترم عقولنا و تضعنا في الصورة فلا تلومن السلطة الا نفسها فهمي هويدي

فوجئ المصريون خلال الاسبوع الماضي بزيادة معدلات حالات انقطاع التيار الكهربائي في مختلف المحافظات. وقد اختلفت اصداء تلك المفاجاة , حتي ان اهالي بعض قري محافظة اسيوط ذهب بهم الغضب حدا جعلهم يهددون بقطع الطرق الزراعية و السكك الحديدية احتجاجا علي ذلك , بعدما اتهموا الحكومة بالعجز و التقصير و الكيل بمكيالين , و العهدة في ذلك علي جريدة ' الاهرام ' التي نشرت الخبر علي صفحتها الاولي امس ' 24/5 ' .
هذا الذي فوجئ به الناس لم يكن خبرا جديدا علي الحكومة , التي كانت تعرف جيدا حدود مخزونها الاحتياطي من الوقود اللازم لتشغيل محطات توليد الكهرباء. وهذه المسافة بين ما تعرفه الحكومة وبين ما يفاجا به الناس تشكل احدي الفجوات غير الصحية في علاقة السلطة و المجتمع بعد الثورة. وهي الفجوة التي لا مفر من الاعتراف بفشل الادارة السياسية في حلها.
لقد تصورنا بعد الثورة ان مفهوم السلطة الابوية الذي تمارسه الحكومة حين تكتفي بادراك الحقائق ولا تكترث بمخاطبة الناس او احاطتهم علما بشيء منها , سقط مع سقوط النظام السابق. اذ لم يعد المجتمع بمثابة رعية تساق ولكنه استعاد كرامته وصار الناس في ظل الثورة مواطنين يشاركون ولا يساقون او يمتثلون. خصوصا ان اولئك المواطنين هم الذين جاءوا بالسلطة ونصبوا رموزها في مواقعهم.
لقد اخذ علي الرئيس محمد مرسي انه حين تسلم السلطة في 30 يونيو الماضي لم يصارح الناس بحقائق التركة التي تسلمها , خصوصا في شقها الاقتصادي. وكانت نتيجة ذلك ان تطلعات الناس وآمالهم التي علقوها علي الثورة تعالت وظلت بغير حدود.
لم يقل احد ان النظام السابق دمر الكثير في مصر , وان اعادة بناء النظام الجديد يتطلب جهدا شاقا وصبرا علي المكاره ووقتا ليس قصيرا. وكنت بين الذين تمنوا ان يخاطب الرئيس مرسي او رئيس حكومته المجتمع باللغة التي استخدمها رئيس الوزراء البريطاني الاسبق ونستون تشرشل , حين تسلم رئاسة حكومة بلاده اثناء الحرب العالمية الثانية , وقال للبريطانيين انه يعدهم بالدم و الدموع و العرق , اذا ما ارادوا لبلادهم ان تنتصر في الحرب.
لقد جري التعويل علي سياسة تطييب خواطر الناس وخشية اشاعة البلبلة بينهم اذا اخبروا بالحقائق , الامر الذي قد يؤدي الي الاحباط واشاعة الفوضي في المجتمع , وكان ذلك من قبيل سوء التقدير الذي اخل بالشفافية المنشودة وقلص من مساحة المصارحة , الامر الذي احدث تلك الفجوة التي صرنا نعاني منها الآن.
ادري ان هناك اطرافا تسهم في تازيم الواقع من خلال اخفاء بعض السلع او تسريبها الي السوق السوداء. وافهم ان المصارحة اذا تمت في بعض الحالات فانها قد تشيع الذعر في المجتمع وتدفع الناس الي الهرولة و اللجوء الي التخزين , الا ان ذلك مما يمكن علاجه بالحزم في مواجهة المتلاعبين و المهربين ومن خلال التوعية التي يمكن ان تطمئن الناس وتحذرهم من ان التخزين يعقد الازمة ويضاعف من معاناتهم. وفي كل الحالات فان مصارحة الناس بالحقائق تظل اقل ضررا من حجب تلك الحقائق وصدمة الناس بها.
ان الرئيس مرسي وحكومته لم يقولا للناس ' تعالوا نقتسم الكرب ' , بحيث تبذل السلطة غاية جهدها لحل المشكلات المعقدة , في الوقت الذي يتحمل فيه المجتمع مسئوليته ازاء تلك المشكلات بحيث يكون له دور في حلها. وفي موضوع انقطاع التيار الكهربائي وازمة الطاقة , مثلا , فانني تمنيت ان يخرج علينا اي مسئول في الدولة لكي يبصرنا بحقائق المشكلة. بالجهد الذي بذل لتوفير النفط و السولار , وبالضغوط التي تمارسها بعض الدول الشقيقة لتازيم الموقف في مصر , وبالاتفاقات التي تم التوصل اليها مع بعض الاشقاء بهذا الخصوص ثم تراجعهم عنها كما حدث مع العراق. في حين لم تتردد دول اخري في الوفاء بما تعهدت به , كما في ليبيا وقطر , الي غير ذلك من الخلفيات التي اذا فهمها الناس فقد يعذرون و يصبرون .
علي صعيد آخر , فليت وزارة الكهرباء تعلن لنا عن سياساتها لتخفيف الاحمال في مختلف المحافظات . و لم افهم لماذا لا تعلن كل محافظة مسبقا عن مواعيد قطع التيار الكهربائي كي يرتب الناس اوضاعهم بناء عليها . و هو ما لجات اليه بعض المحافظات كما نشرت الصحف مؤخرا .
ان الناس علي استعداد للتفهم و الاعذار اذا احترمت السلطة عقولهم و وجودهم و وضعتهم في الصورة اولا باول . اما اذا تجاهلتهم حتي صاروا نهبا للبلبلة و السخط فلا تلومن السلطة الا نفسها .
ليست هناك تعليقات :
إرسال تعليق