المعارضة المصرية تناضل حصريا على الفضائيات و تويتر و الفيسبوك و المقاهي


قبل ثورة يناير بعام كان حديثي يتصل بين الفترة و الاخري مع بعض الاصدقاء بان مصر تمور بالغضب وهناك احساس متزايد بالتمرد علي نظام مبارك , وكنت اقول وقتها للجميع ان الثورة لن تقوم او تنجح في مصر الا اذا سقطت سلالم نقابة الصحفيين وسط القاهرة , كانت سلالم نقابة الصحفيين في اول شارع عبد الخالق ثروت بوسط القاهرة قد تحولت الي ' حائط مبكي ' لبعض القوي السياسية اليسارية و الليبرالية وحتي بعض اصحاب المظالم الاجتماعية , وبمرور الوقت تحول المشهد الي ' حالة تليفزيونية ' يذهب المتظاهرون الي هناك باعداد لا تتجاوز العشرات فتتقاطر عليهم كاميرات الفضائيات المختلفة لاخذ صور وبعض تعليقات حيث يتهافت الحاضرون علي التصوير و التسجيل وبعضهم كان ' محترفا ' في تصدر زاوية التصوير المميزة , ثم ينتهي المشهد التليفزيوني بعد عدة ساعات ويذهب كل منهم الي بيته قانعا بانه ادي دوره ' الثوري ' وناضل حتي وصل نضاله الي الملايين , عبر الشاشات , وبدا نظام مبارك يتعايش مع تلك المشاهد ويحتويها مع الوقت دون اي انزعاج يشار الى , وكنت اقول وقتها ان الثورة لن تتحرك جديا الا اذا تركنا هذه ' السلالم ' و الفضائيات , ونزلنا للناس في الشوارع و الميادين و التحمنا مع الملايين الحقيقية وليس الملايين المتفرجة في البيوت و المكاتب , وبالفعل نجح وعي الشباب الجديد في ادراك ' فخ ' سلالم نقابة الصحفيين , فاِلتحم بالناس في الشوارع و الاحياء و الميادين فكسر منظومة مبارك الامنية واسقطه للابد .


ذكرني بتلك المشاهد ما اراه اليوم من وقوع المعارضة المصرية في اسر ' الفضائيات ' و التويتر و الفيس بوك , وهي تناضل من اجل ان تحفر لنفسها موقعا لائقا في الخريطة السياسية الجديدة بعد الثورة , وفي تحدي نفوذ التيار الاسلامي الشعبي المتنامي , مع فارق التشبيه و الاهداف , المعارض ' الجهبذ ' الآن يجد ' تسليته ' في ان يلعب علي جهاز الكومبيوتر او الهاتف الحديث لكي يرسل ' رسالة ' عظيمة عبر التويتر يسخر فيها من التيار الاسلامي او يستهزئ فيها من الرئيس مرسي او ينكت عليه ويستظرف , ثم ينتظر هاتف المحطة الفضائية التي سيقضي وقته ' اللذيذ ' معها في المساء , قبل ان يعود لسهرة ' حاشدة ' في احد مقاهي وسط القاهرة او المهندسين يحكي فيها ' لندمائه ' بطولاته في هجاء الاخوان او الاسلاميين و ' توضيب ' الرئيس ' الاخواني ' , يفعلون ذلك رغم ادراكهم ان الانتخابات البرلمانية الاخطر في تاريخ مصر علي الابواب بعد شهرين فقط , وفي الوقت الذي ينشغل فيه الاخوان وبقية احزاب التيار الاسلامي بالتجوال في بر مصر من شمالها الي جنوبها , في القري و البوادي و النجوع و الحارات ومدن الدلتا ومدن الصعيد يحشدون للموقعة ويمارسون العمل السياسي الجاد و المضني و الثقيل , دون ان يقاطعوا شاشات الفضائيات ان رغبت فيهم , وقليلا ما ترغب لاعتبارات مفهومة , لكن نضالهم وجهدهم الحقيقي و الاعظم في الاحتشاد ليوم الاستحقاق العظيم , يحترمون شعبهم وينتظرون قراره ويعملون علي اقناعه واسترضائه , لذلك يربحون , وسيربحون مجددا في الانتخابات القادمة , بينما ستظل المعارضة ' التليفزيونية ' قابعة هناك في استديوهات القنوات الفضائية او مقاهي وسط القاهرة او يزجون اوقات فراغهم باللعب علي حسابهم في تويتر و الفيس , وعندما يقترب موعد الاحتكام مجددا للشعب وصندوق الانتخاب , تسمع اصوات الكسالي و الفاشلين يحدثونك عن ' التوافق ' في البرلمان , ولا شعب ولا يحزنون , خلينا نقسمها بيننا بالمعروف , وعلي الرئيس مرسي ان يلغي الانتخابات , ويؤجل ' حكاية ' الديمقراطية , وينسي موضوع الشعب و الارادة الشعبية , وعليه ان يخصص ' كوتة ' لكل حزب او قوة سياسية , وفي الغالب ستتحدد ' الكوتة ' بعدد مرات ظهور هذا الحزب او ذاك علي القنوات الفضائية , وعدد سهرات ' التشييش ' التي يقضيها مناضلوه في مقاهي وسط القاهرة.

ليست هناك تعليقات :