هل تقبل المعارضة دخول ملعب الديمقراطية أم أن خوفها من الخسارة سيبقيها في الشارع ؟


تكمن اهمية اشتراك احزاب المعارضة المصرية في الانتخابات النيابية القادمة في ان القرار يعد خطوة باتجاه الانتقال من لعبة المليونيات الي لعبة الديمقراطية , ومن التجاذب في الشوارع و الميادين الي الحوار داخل المؤسسات , ومن الاستقواء بالحناجر وضجيج الفضائيات , الي الاحتكام الي التصويت تحت قبة البرلمان. وذلك اذا تم فانه يعد تطورا مهما يفترض ان يؤدي الي ترشيد العمل السياسي وعقلنته. وهو ماتمناه كثيرون ممن يتطلعون الي استقرار الاوضاع في مصر. وانهاء مظاهر القلق و الفوضي التي اوقفت الحال وارهقت العباد وشوهت صورة الثورة في الداخل و الخارج.

حتي اذا صح ما ذكره احد القياديين في جبهة الانقاذ من انهم سيدخلون الي البرلمان لاسقاط الدستور , فان الخطوة تستحق الترحيب حيث انها تنقل التجاذب و الصراع بعيدا عن الشارع , وان تمنيت ان يكون الهدف الاول لتلك المشاركة هو تحقيق اهداف الثورة في الدفاع عن الحرية و الكرامة الانسانية و العدل الاجتماعي. ذلك ان الكلام عن اسقاط الدستور من خلال البرلمان المنتخب , وان كان حقا مشروعا تكفله آليات الممارسة الديمقراطية , الا انه يعد حلقة في صراع النخب الذي استهلك طاقاتها خلال الاسابيع الاخيرة , وشغلها عن الاهتمام بمعاناة الناس ومشكلاتهم الحياتية.

بهذه المناسبة فانني لم افهم لماذا قررت احزاب المعارضة مقاطعة اجتماعات الحوار الوطني في حين قبلت بالمشاركة في الانتخابات. ذلك ان قرار الانتقال من تجاذبات الشارع وصراع الحناجر الي الجلوس حول طاولات الحوار , كان يقتضي الاستجابة للدعوة التي وجهت الي القوي الوطنية لاجراء الحوار بهدف التوافق حول الملفات الخلافية بما في ذلك بعض مواد الدستور الجديد. وكانت المعلومات الاولية قد اشارت الي ان ممثلي جبهة الانقاذ الوطني ابلغوا الامانة المختصة بترتيب الحوار بانها ستشارك في اجتماعاته التي ستعقد بعد الاستفتاء , لكن يبدو ان ضغوطا مورست للعدول عن الفكرة و الاستمرار في تبني موقف المقاطعة , وهو ما يلفت انتباهنا الي حقيقة ينبغي الا نتجاهلها , خلاصتها ان هناك اطرافا فاعلة في الساحة تعارض التوافق وترفض الحوار , وهي ليست ضد الدستور فحسب , وغير أنها ضد كل ما هو قائم. وهي ذات القوي التي ما برحت تطعن فيما تم بناؤه حتي الآن من شرعية الرئيس مرسي الي التشكيك في شرعية مجلس الشوري و الجمعية التاسيسية , بل وفي شرعية الدستور ذاته.

لا اعرف شيئا عن الحوارات التي دارت بين احزاب المعارضة وخلصت الي تاييد فكرة المشاركة في الانتخابات و البرلمان. وارجو ان يكون الذين اصدروا القرار واعين باهمية المفاصلة مع النظام السابق ورموزه , خصوصا بعد تسرب معلومات عن اتصالات بين بعض رموز المعارضة وبين عناصر من ' الفلول ' استهدفت التنسيق بين الطرفين لمواجهة ' الخصم المشترك ' المتمثل في الاخوان المسلمين وحلفائهم من فصائل ما يسمي بالاسلام السياسي. وهي صفقة خطرة اذا تمت لانها تعد خطوة باتجاه فتح الابواب للثورة المضادة , التي تستهدف الجميع بمن فيهم احزاب المعارضة الحليفة.

تبقي بعد ذلك ثلاث ملاحظات هي :

ان احزاب المعارضة امامها فرصة ذهبية لاثبات حضور قوي في المجلس النيابي الذي يفترض انتخابه بعد شهرين من الآن. ذلك انه اذا استمرت المؤشرات المرصودة حاليا التي توحي بتراجع نسبي لشعبية الاخوان و السلفيين في المناطق الحضرية علي الاقل , فان من شان ذلك ان يحدث فراغا تستطيع تلك الاحزاب ان تتقدم فيه وتستفيد منه بحيث تصبح منافسا قويا يطوي صفحة سيطرة الاخوان و السلفيين علي البرلمان او يقلل من وطاتها.

ان قوي المعارضة لن تستطيع ان تستفيد من هذه الفرصة الا اذا شاركت في الانتخابات ككتلة واحدة , وهو امر مشكوك فيه لان اغلبها حديث التكوين ويلتف حول اشخاص باكثر من التفافها حول افكار وبرامج. وقد شهدنا ما لا حصر له من خلافات وتجاذبات بين تلك الاحزاب منذ قامت الثورة , وحين اجتمعت فيما بينها في الآونة الاخيرة. فلم يكن ذلك راجعا الي تقارب في الافكار و البرامج بقدر ما كان احتشادا ضد الرئيس مرسي و الاخوان. بما يعني ان ذلك الهدف يمثل نقطة اللقاء الوحيدة فيما بينها. اما حين يتعلق الامر بالانصبة و التمثيل في المجلس النيابي فان الخلافات قد تعود الي سابق عهدها الامر الذي يضعف الجبهة في نهاية المطاف.

ان قرار احزاب المعارضة المشاركة في الانتخابات , وتزامن ذلك مع انسحاب عناصرها من الاعتصام امام قصر الاتحادية , يفترض ان يستصحب انسحابا مماثلا من ميدان التحرير. كما يستصحب دعوة المستقلين المعتصمين معهم الي انهاء اعتصامهم بدورهم , حيث لم يعد هناك مبرر لذلك بعد تمرير الدستور وانهاء العمل بالاعلانات الدستورية. و الاتجاه الي الانتخابات البرلمانية. علما بان ميدان التحرير جري ابتذاله بحيث لم يعد ساحة للاحتجاج فحسب , وانما تحول الي معقل للبلطجة ايضا.

ليست هناك تعليقات :