معتز بالله عبد الفتاح ... التحول الديمقراطي في جنوب اوروبا في السبعينات , و في امريكا اللاتينية في الثمانينات , وفي افريقيا وشرق آسيا في التسعينات , ثم في بلاد العرب في الالفية الجديدة , وقطعا في وسط آسيا و الصين لاحقا , كلها عمليات زرع ديمقراطية في جسد اعتاد علي غيابها , وكلها قصص طويلة من النجاح و الاخفاق , وبعض هذه الدول كانت اكثر حظا من غيرها , فبعض النخب الحاكمة ادركت الحاجة للتحول الديمقراطي واشرفت عليه بنفسها ' مثل اسبانيا مع خوان كوارلوس ' , وبعضها غلب عليها التعنت ' الحالات العربية مثالا ' , ولكن في النهاية كان التخبط , مع صدق النوايا و القدرة علي التعلم و الحوار , له طريق واحد وهو انجاز التحول الديمقراطي واستقرار قواعده ومؤسساته .
مصر ليست بدعا , و لكن المهم هو ان نستفيد من اخطائنا و الا نكررها , و هذه بعضها :
اولا , السياسة هي صراع بين قوي سياسية تسعي لفرض ارادتها علي غيرها , و القانون ينظم هذا الصراع , و القضاء يفصل بين الجميع وفقا للقانون. وعليه فان غياب المؤسسات القضائية او تعطيل عملها او تحصين اي قرارات منها هو دعوة مباشرة لتاجيج الصراع ونقله من ساحات المحاكم الي الشوارع , ولو كان عند الفلسطينيين محكمة دستورية عليا يحترمها الجميع تفصل ما بين السلطتين في رام الله وغزة , لكان من الممكن حل قضية التطاحن بين الرئاسة و الحكومة. اذن الدرس المستفاد : لا لتحصين اي قرارات ضد المراجعة القضائية .
ثانيا , الشرعية الانتخابية لا تكفي في زمن الثورات , بعبارة اخري ليس كافيا ان يحتج الرئيس بانه رئيس منتخب ' باي نسبة كانت ' حتي يتصرف دون مراعاة للمزاج العام في الشارع الثائر. وعليه فان اي قرارات انفرادية صادمة غير قائمة علي توافق مع ممثلي القوي السياسية المختلفة ستكون مخاطرها اكثر كثيرا من عوائدها المختلفة. اذن الدرس المستفاد : العلاج بالصدمات المستندة الي الشرعية الانتخابية ستواجه بردود فعل صادمة ايضا استنادا الي الشرعية الثورية .
ثالثا , في مناخ الاستقطاب , لا ينبغي ان يتحول الي احتقان , واذا كان هناك من احتقان , فلا ينبغي ان يتحول الي احتكاك لان هذه الاعتبارات الثلاثة هي المقدمة المنطقية للعنف اللفظي الذي يفضي الي العنف المادي. وليس معني ان طرفا ما يستطيع ان يحشد انصاره بالآلاف ان يرد عليه الطرف الآخر بحشد مضاد لان هذا يكرس الانقسام. اذن الدرس المستفاد : اوقفوا الاحتقان بالحوار الجدي , وبالتوافق الفعلي , وليس بتجاهل الآخرين لان هذا لن ينجح , ولو نجح فسيترك مرارة في الحلق وستكون لها تكلفتها لاحقا .
رابعا , الوعد دَين , وهو دَين علي الجميع , لا سيما ممن هو في منصب رئيس الجمهورية . هناك وعود كثيرة قطعها الرئيس علي نفسه اثناء الفترة الانتخابية , ولم يتم الالتزام بها بشكل يجعل الانسان يتخوف من اي وعود جديدة , ولا يستطيع ان يتاكد ان كان هذا عن قصد وتدبر ام ان ظروفا ما منعته , ولكن ما هذه الظروف؟ الدرس المستفاد : من وعد واخلف كثيرا , يُفقد نفسه قوة وقيمة الكلمة لاحقا. وهذا ما يخلق ازمة مصداقية حادة لمؤسسة الرئاسة .
خامسا , التواصل السياسي وتوضيح القرارات الرئاسية ضعيف وهذا يتبدي في الكثير من محاولات مؤسسات الرئاسة لاقناع الناس بوجهة نظرها في اكثر من قضية , ولكنها كانت تستطيع ان تشرح نفسها ووجهة نظرها علي نحو افضل مما اقدمت عليه. ولنتذكر كيف ان الاعلان الدستوري خرج للناس بلا اي توضيح مسبق ثم توالت ردود الفعل الرافضة كمقدمة لتوضيحات لاحقة غير مجدية. الدرس المستفاد : اقناع الناس بوجهة نظر مؤسسة الرئاسة يتطلب اكثر من مجرد قراءة القرارات الرئاسية , واكثر من الكلام المرسل عن مؤامرات غير واضحة المعالم. هناك فرق بين الابلاغ و الاقناع .
سادسا , امامي نذر عنف اهلي ممتد , الكل يشيطن اعداءه ولا يسمع الا مناصريه ويريد تفصيل مصر علي مقاسه , ولا يتراجعون او يتواصلون. و الكل سيندم ومصر ستخسر. وليستعد من الآن كل من يؤججون المشاعر ويحقنون الغضب ويصنعون بطولاتهم بدماء الاتباع و المناصرين لايام هم مسئولون فيها امام رافضي هذا الجنون .
من الممكن ان نخطئ , و لكن الخطا يتحول الي خطيئة حين نرفض التراجع عنه .
ليست هناك تعليقات :
إرسال تعليق