
مع حلول الذكري الثانية للثورة المصرية تبدا ' الحياة ' السعودية بنشر سلسلة حلقات يروي فيها مساعد رئيس قطاع السجون السابق اللواء محمد حمدون يوميات رموز النظام السابق في سجن مزرعة ' طره ' الذي يؤوي خلف قضبانه حكّام مصر السابقين.
حمدون , الذي عاش بحكم منصبه ادق تفاصيل حياة المسئولين السابقين في السجن , يوثق في هذه السلسلة معلومات تُكشف للمرة الاولي عن معيشتهم خلف الاسوار , بعدما تداولت الصحافة و الاعلام علي مدار العامين الماضيين اخبارا متضاربة عنهم.
تولي اللواء حمدون , قبل ان يترك الخدمة في الشرطة المصرية , الاشراف بنفسه علي اسكان رموز النظام السابق في طره ونقلهم الي اماكن التحقيق او قاعات المحاكم ثم عودتهم الي السجن , ويروي عبر 4 حلقات الصعوبات التي واجهها قطاع السجون خلال هذه المهمة.
وفي الحلقة الاولي يتحدث اللواء حمدون عن حال وزارة الداخلية قبل الثورة و ' النشوة ' التي بدا عليها وزير الداخلية السابق حبيب العادلي في احتفال الوزارة بعيد الشرطة يوم 23 كانون الثاني ' يناير ' 2011 , وكيف كان يفكر صانعو القرار داخل وزارة الداخلية في تلك الايام التي شهدت حراكا شعبيا غير مسبوق في الشارع في اعقاب نجاح الثورة التونسية.
يقول اللواء حمدون ان قوات الشرطة نزلت الي الشارع في مواجهة التظاهرات بكل ثقلها ' يحركها الوازع الضميري ' ظنا ان هذه التظاهرات ' شغب سرعان ما ينتهي ' , لكنها فوجئت بطوفان بشري يتدفق علي ميادين مصر متغلبا علي كل الاسلحة , ليحوّل ' قيادات الامس الي متهمي اليوم ' .
ويروي ان مسئول التنظيم السابق في الحزب الوطني المنحل رجل الاعمال احمد عز بدا الاكثر ياسا وسط ' ايراد ' سجن مزرعة طره اليومي من مسئولي النظام السابق , فيما كان سجانوهم غير مصدقين لما تراه اعينهم.
ولا ينسي اللواء حمدون كيف ظهر حبيب العادلي في اول ليلة قضاها في السجن متماسكا , وهو يهاتف نجله ومحاميه من داخل مكتب مامور السجن , فيما سيطر التوتر و القلق وربما الانهيار علي مشاعر مساعديه مدير امن القاهرة المُقال اسماعيل الشاعر ومدير امن الدولة حسن عبدالرحمن ومساعد اول الوزير للامن العام عدلي فايد.
وتلقي المسئول الكبير في الشرطة سؤالا لقائد الحرس الخاص بالعادلي العميد محمد باسم لطفي عن ' جاكوزي الوزير ' باستغراب كبير.
وينقل حمدون مشاعر الاستياء التي اظهرها رجل الاعمال هشام طلعت مصطفي , المدان بقتل المطربة اللبنانية سوزان تميم , حين اُجبر علي اخلاء زنزانته لاقامة العادلي فيها لكونها الوحيدة الملحق بها دورة مياه مستقلة , لكن مصطفي ما لبث ان استجاب للامر وتفهم الموقف.
ويقول اللواء حمدون ان اول طلب للعادلي كان الحصول علي مصحف.
ويروي حمدون ان ' السيدة الاولي ' سوزان مبارك بكت خلال زيارتها الاولي لنجليها علاء وجمال اللذين اقاما في زنزانة كان يشغلها سابقا القيادي الاخواني خيرت الشاطر.
ولم يكن قرار محكمة النقض قبول الطعن في قضية قتل المتظاهرين , نهاية لفترة مهمة من تاريخ مصر , وربما كان بداية اخري وفاصلا جديدا من مسلسل الثورة المصرية. ورغم حلول الذكري الثانية لانطلاق الثورة التي اطاحت نظام حسني مبارك , فان المعلومات عن احوال رجال حكمه الذين جري القبض عليهم وتوقيفهم ووضعهم في السجون بعد تنحي مبارك , بقيت متضاربة , وغالبا ما تُتداوَل من دون توثيق , وكثيرا ما يتاثر ما تبثه الفضائيات او تنشره الصحف او تنقله وكالات الانباء عنهم بالموقف السياسي لمن ينقلها , خصوصا بعدما تحول بعض الاعلاميين و الصحافيين الي ناشطين سياسيين يتبنون مواقف سياسية بعينها , فصار انصار النظام السابق مروجين عادة للكلام عن بطش السلطة الجديدة برجال حكم مبارك , ومعاناة هؤلاء , و الظروف غير الانسانية التي يعيشونها , و التنكيل بهم , واختلاق القضايا تلو الاخري لكل من يبرَّا منهم او يُفرج عنه بقرار من المحكمة بكفالة علي ذمة القضايا المتهم فيها , و ' بيع ' المجلس العسكري اياهم وتخليه عنهم , بينما تتداول وسائل الاعلام ' الثورية ' المعلومات عن حياة الفنادق التي يعيشها اقطاب الحكم السابق داخل السجون الي درجة اطلاق بعض وسائل الاعلام اسم ' بورتو طرة ' علي السجن , سخرية من تحوله الي منتجع سياحي!! وكذلك الطعام الفاخر الذي يتناولونه واجهزة المكيفات التي تخفف عنهم حر الصيف وبرد الشتاء , وجلسات السمر و الاحتفالات التي تنظَّم لهم , و الزيارات المفتوحة التي تاتيهم , و الهواتف النقالة التي يتواصلون بها مع ذويهم , واجهزة التلفزيون التي يسهرون امامها.
هؤلاء الذين ظلوا علي مقاعد الحكم سنوات طويلة وكانهم يملكون مصر بطولها وعرضها من دون ان يتوقعوا او يتوقع احد ان ياتي اليوم الذي سيقبعون فيه خلف الاسوار , يعتقد البعض انهم مازالوا مؤثّرين في الاحداث , او يحركونها , وانهم يرغبون دائما في افشال الثورة ونشر الفوضي , وان لهم اتباعا خارج الاسوار يحركون البلطجية ليهاجموا الجيش و الشرطة , ثم الثوار , ثم الاخوان , فينشروا الذعر بين الناس ويقودوا ' الثورة المضادة ' بهدف تحقيق نظرية مبارك التي قالها قبل ان يرحل : ' انا او الفوضي ' .
وعبر اربع حلقات يفتح مساعد رئيس قطاع السجون السابق اللواء محمد حمدون خزائن اسرار ' سجن طره ' الشهير الذي استقبل رموز نظام مبارك ورجاله , ويضع نقاطا فوق حروف ظلت طوال هذه المدة تُنشر وتُنثر ناقصة , فيملاها كل طرف بما يخدم مصالحه او يحقق اهدافه. ترك اللواء حمدون الخدمة في الشرطة المصرية العام الماضي وفتح مكتبا للمحاماة , لكنه عاهد نفسه الاّ يتولي قضية يكون بين اطرافها رجال النظام السابق , سواء لمصلحتهم او ضدهم , لانه يعتقد انه كان طرفا في جزء مهم من حياتهم , بل الاهم. وفي شهادته , لا يتناول حمدون ابدا القضايا التي اتُّهموا فيها , سواء ذات العلاقة بقتل الثوار و التصدي للثورة , او تلك التي تتعلق بالفساد واهدار المال العام , فمهمته لم تكن البحث او التحري او ملاحقة المعلومات عن انشطة رجال مبارك قبل ان ياتوا بهم الي السجن , وانما سجنهم وتامينهم في مكان احتجازهم وحمايتهم من اي مكروه او مؤامرة , وكذلك بالطبع اتخاذ كل الاجراءات التي تكفل عدم فرارهم او عبور اسوار السجن الا وفقا لقرار من النيابة او القضاء. واشرف حمدون ايضا , ومعه باقي قادة السجون وضباطها وجنود قطاعها , علي خروجهم الي اماكن التحقيق او قاعات المحاكم , ثم عودتهم لتغلق عليهم الزنازين من جديد. وفي شهادته تحدَّث عما رآه وسمعه , وكذلك ما رآه ولاحظه ك ' سجّان ' لسجناء اعتبرتهم الثورة سَجنوا مصر وشعبها ثلاثة عقود , من دون ان يتناول ما يعتقده او يطرح رايه في تاريخ كل واحد منهم او تصرفاته او اخطائه , وما اذا كان بريئا او مذنبا , لان واجبه ان يبقيهم خلف الاسوار لا ان يحكم عليهم.
تقف شهادة اللواء حمدون قبل وصول مبارك نفسه الي ' سجن طره ' عندما صدر الحكم عليه من محكمة الجنايات المصرية يوم 2 حزيران ' يونيو ' العام الماضي , حيث يحتاج راس النظام السابق الي حلقات اخري ومعلومات تربط بين توقيفه اولا في مستشفي شرم الشيخ , ثم المركز الطبي العسكري , ثم سجن طره , وخروجه ورجوعه , ثم خروجه مجددا الي مستشفي المعادي.
كما ترك حمدون موقعه ووصل الي سن التقاعد قبل اسابيع من وصول مبارك الي السجن. لكن في حديث اللواء حضر مبارك في تصرفات ابنيه علاء وجمال وكلامهما , وفي ماضي رجال حكمه وحاضرهم. كان قرار توقيف مبارك صدر في اليوم نفسه الذي دخل فيه ابناه علاء وجمال سجن طره , لكن الاب وقتها كان محتجزا في مستشفي شرم الشيخ قبل ان ينتقل الي المركز الطبي العالمي العسكري في 3 آب ' اغسطس ' من العام الماضي , ومنه الي سجن طره. بعض الذين ذكرهم اللواء حمدون في حديثه يقضون الآن عقوبات بالسجن بعدما ادينوا في قضايا اصدر القضاة احكاما فيها , مثل احمد عز واحمد نظيف وزهير جرانه و المغربي وآخرين مازالت التحقيقات تجري معهم في قضايا اخري , كصفوت الشريف وزكريا عزمي وانس الفقي , وهم رهن الحبس الاحتياطي , ومنهم من نال البراءة وخرج من السجن , كفتحي سرور , اضافة بالطبع الي مبارك نفسه , الموجود حاليا في مستشفي المعادي , وسيعود الي مستشفي السجن اذا ما راي الاطباء ان حالته طبيعية , وحبيب العادلي , و الاثنان قبل طعنهما في الحكم بادانتهما بالمؤبد , وهما ينتظران اعادة محاكمتهما مع علاء وجمال وستة من مساعدي العادلي امام دائرة قضائية جديدة. لكن اسرار السجن لم تُدفن خلف اسواره.
' الحياة ' السعودية تبدا اليوم نشر الحلقة الاولي من الحوار مع اللواء حمدون , وفيها بعضٌ من خزائن اسرار رجال حكم مبارك خلف اسوار السجن الشهير.
يتحدث مساعد رئيس قطاع السجون المصري اللواء محمد حمدون في الحلقات الاولي من حواره مع ' الحياة ' السعودية , عن حال وزارة الداخلية قبل ثورة 25 ' يناير ' بايام , و ' النشوة ' التي انتابت الوزير السابق حبيب العادلي في حفل عيد الشرطة قبل اندلاع الثورة بيومين , وكيف بدا مسئول التنظيم في الحزب الوطني المنحل , رجلُ الاعمال احمد عز يائسا ليلة وصوله الي السجن ضمن اول دفعة من مسئولي النظام السابق يتم ترحيلها الي سجن طره. السجّان , او الرجل الذي شهد اللحظات الاولي للزجّ برموز نظام مبارك في السجن , ينقل حال العادلي في اولي لياليه في السجن وحديثه الي ابنه عبر الهاتف قبل دخوله الزنزانة , وهو يستغرب سؤال حارس العادلي , وهو ضابط في الشرطة رافقه حتي وصوله زنزانته , لتنتهي مهمته وتبدا مهمة مصلحة السجون في تامينه وتامين المجتمع منه , عن ' جاكوزي السجن ' الذي سيستخدمه الوزير السابق!.
العادلي منتشيا عشية الثورة
> قبل الثورة بيومين كان حفل عيد الشرطة , وبدا فيه ان لا اكتراث بدعوات التظاهر. الشارع كان يغلي , وحدّة المعارضة تتصاعد , ولكن كيف كان يفكر صانعو القرار في وزارة الداخلية في تلك الايام؟
_ في 23 كانون الثاني ' يناير ' من العام 2011 , احتفلت وزارة الداخلية بعيد الشرطة في قاعة المؤتمرات الكبري باكاديمية الشرطة في منطقة التجمع الاول في القاهرة الجديدة , وحضر الحفل الرئيس السابق حسني مبارك ووزير داخليته حبيب العادلي و الوزراء كافة وكبار رجال الدولة. كان احتفالا مهيبا يليق بالمناسبة , القي فيه العادلي كلمة استهلها بالترحيب بالرئيس و الحاضرين جميعا , واعلن الوصول لمرتكبي حادث تفجير كنيسة القديسين في الاسكندرية , متهما جماعة ' جيش فلسطين ' في غزة , ليصفق له جميع الحاضرين , وكان حديثه مثار فخر رجال الشرطة الذين ملاوا القاعة , وبدا واضحا انهم ارادوا مع وزيرهم ان يثبتوا لراس النظام انهم بذلوا جهدا كبيرا في التعاطي مع هذه الواقعة الخطيرة التي كادت تشعل نار الفتنة في المجتمع بين عناصر الامة.
حاز العادلي اعجاب الجميع , وبدا منتشيا شبابا وحيوية , ثم تحدث مبارك في تعالٍ ونشوة ايضا , وشكر رجال الشرطة علي ما بذلوه من جهد تجلي في ضبط الجناة , وظل يتباهي بالقوات المسلحة و الجيش القوي. خرج الجميع من قاعة الاحتفال بمعنويات عالية ونشوة اصابت نفوسهم بالعزة و الافتخار , وانفض الحفل و الجميع يتحدث ويتباهي ويفتخر بما يراه من تقدم للبلد في المجالات كافة.
علي الجانب الآخر , كان الشارع يغلي فعلا , وكانت هناك مجموعات من منظمات المجتمع المدني و القوي الشبابية تعارض مبارك وحكمه وتدعو الي العصيان , لِما وصلت اليه مصر من تدنٍّ في الخدمات وانهيار اقتصادي يعاني منه غالبية المصريين من الفقراء وازدياد اعداد العاطلين من فئة الشباب اضافة الي القهر الفكري و الاستقطاب الديني وزيادة سطوة جهاز مباحث امن الدولة و الزج بالمزيد من المظلومين في المعتقلات وتوسيع دائرة الاشتباه وتاثير الانتخابات البرلمانية المزورة. لم يكن سرا ان بعض هؤلاء كان يتهم العادلي نفسه بالضلوع في حادثة كنيسة القديسين , بدعوي ايهام الرئيس بان الخطر يحيطه دائما وانه يحتاج اليه , او لترسيخ الايحاءات لدي الغرب بان خطر الاسلاميين قائم دائما , كنا نشعر بان الامر مختلف ويتجاوز اساليب المعارضة التي اتبعتها الاحزاب طوال عهد مبارك.
اختار الداعون للعصيان و التظاهر يومَ عيد الشرطة في 25 كانون الثاني ' يناير ' لتنفيذ وعيدهم , وبدات بوادر التظاهرات يوم 24 من الشهر نفسه بمجموعات صغيرة هنا وهناك , زادت واصبحت بمثابة الظاهرة يوم 25 , وكان الاقدار تضحك لما فيها من عجائب : تحتفل وزارة الداخلية وتقدم الاحتفالية يومين عن ميعادها الاصلي لياتي الموعد الحقيقي لها في 25 , ليكون يوم عصيان بدلا من يوم احتفال , وياتي اليوم من دون ان يدري احد انه جاءت لحظة التغيير من حال الي حال , لتنتهي الشرطة في يوم احتفالها وليمتلئ ميدان التحرير بالبشر عن آخره وتتعاطف معه كل ميادين مصر من اقصاها الي ادناها هاتفة : ' الشعب يريد اسقاط النظام ' .
كانت الشرطة نزلت بكل ثقلها يحركها الوازع الضميري , ظنا منها انه شغب سرعان ما ينتهي , وباتت جميع كتائب وسرايا الامن في الميادين وحولها لحماية المنشآت العامة ومحاولة انهاء هذا العصيان , واذا بالطوفان البشري المتزايد الذي اتي من بلدان وميادين مصر يتغلب علي كل الاسلحة , واذا بالشرطة وقواتها تنهك من العمل المتواصل ليل نهار من دون فض هذه الملايين من البشر , حتي يتم انسحابها ليعلن حظر التجوال يوم 28 من الشهر وتختفي قوات الشرطة وتتولي القوات المسلحة عملية حراسة المنشآت الحيوية وتامين التظاهرات.
تمر الايام وكل قادة الشرطة في اماكنهم ومواقعهم , بعيدا من الميادين الممتلئة بالناس , باستثناء العادلي وبعض مساعديه , بعدما جرت اقالتهم الي ان ياتي يوم تنحي الرئيس السابق حسني مبارك , وجاء التحول الاعجازي الغريب , واذا بقيادات الامس تتحول الي متهمين , واذا بمن رايناهم في احتفالية يوم 23 وهم قيادات شامخة , نراهم في مشاهد مغايرة تماما يدخلون عالما مجهولا.
دفعة السجناء الاولي
> بعد تنحي مبارك بدا رموز حكمه في التساقط. اين كنت؟ وكيف استقبل كل منهم اقتياده الي السجن؟ وبماذا شعر سجّانوهم؟
_ اثناء قيام قيادات مصلحة السجون باعمال الحراسة و العمل علي تامينها , خصوصا بعد حوادث الهجوم علي بعض السجون وفرار اعداد من السجناء في المناطق البعيدة من العاصمة , واثناء مرورنا علي خدمات التامين كافة يوم 18 شباط ' فبراير ' , نما الي علمنا ان هناك قرارا بالقبض علي القيادي السابق في الحزب الوطني المنحل رجل الاعمال احمد عز صاحب سيناريو تزوير انتخابات مجلس الشعب الاخير , احد اهم اسباب انطلاق التظاهرات , وايضا رجل الاعمال وزير الاسكان السابق احمد المغربي , ووزير السياحة السابق زهير جرانه. قضايا ' الوزن الثقيل ' من هذا النوع قبل الثورة , كنا نعلم بها قبل فترة حتي نستعد جيدا ونجهز الزنازين او العنابر التي ستحتجز فيها الشخصيات المهمة , لكن مصر بعد الثورة كانت تعيش حالة استثنائية , وفوجئنا بوصول العديد من السيارات بمرافقة قيادات من مديرية امن حلوان الي سجن ' مزرعة طره ' , تقل المسئولين السابقين الثلاثة وهم يرتدون ملابسهم المدنية المهندمة بعدما انهت النيابة معهم في ذلك اليوم جلسة تحقيق , واذا بهم ينزلون من سيارات الترحيلات الواحد تلو الآخر وتبدو عليهم علامات الارهاق مع دهشة بالغة , او قل حالة ذهول , وكانهم في حلم. لم نكن نحن ايضا نصدق ما يحدث. هل هؤلاء هم وزراء الامس وقيادات مصر السياسية و التنفيذية؟ هل ما نراه ونفعله حقيقي؟ هم يتدلون الواحد تلو الآخر مثلهم مثل المتهمين ومعتادي الاجرام!! تحوُّلٌ لا يصدق. مشي المسؤولون الثلاثة في علياء يشوبه قلق وترقب وصدمة , كانت خطواتهم ثقيلة , كانهم لا يصدقون وضعهم الجديد ولا يريدون تخطي باب السجن الي داخله , لكنهم دخلوه واتجهوا وسط حرّاسهم الي مكتب مامور السجن العقيد احمد عبد الرازق آنذاك , ليمتلئ بهم المكان ومعهم ضباط ' المامورية ' التابعين لترحيلات مديرية امن حلوان , كما حضر العديد من قيادات مصلحة السجون , وفي لحظات صمت وسكون من الجميع , بدا المسئولون السابقون الذين تحولوا سجناء لا يصدقون الامر , وينظرون بعضهم الي بعض في حيرة وحسرة , ظلوا يسترقون النظر لاركان الحجرة وزواياها وتفاصيلها في نظرات غير مرتبة تنم عن توتر دفين سعوا جاهدين الي اخفائه.
بدا مامور السجن اجراءات تجهيز الزنازين الواحدة تلو الاخري , وهي مجموعة زنازين انفرادية كان يشغل احداها هشام طلعت مصطفي , رجل الاعمال المدان بالتخطيط لقتل المطربة اللبنانية سوزان تميم , لا تتعدي مساحة الواحدة منها 4 امتار مربعة مع باب خارجي يغلَق عليهم في الساعة الخامسة مساء من كل يوم , وهو ميعاد الغلق العادي للسجون. وسرعان ما تم تجهيز هذه الزنازين باسرّة عادية عبارة عن سرير فردي طوله 180 سم وعرضه 120 سم مغطي بملاءة بيضاء وبطانية صوف اميري.
بدا الكل يضرب كفا بكف. سبحان الله , هؤلاء كانوا ينامون بالامس علي اسرّة مغطاة بالحرير ومراتب ووسائد من ريش النعام و اليوم تبدل الحال من حال الي آخر.
وفي لحظات تم تجهيز الزنازين , وبعد ان جري اثبات حضورهم في دفاتر ' الايراد العادي ' , مثلهم مثل اي مسجون , تم تسليمهم ملابس السجناء الاحتياطيين ليقوموا بارتدائها داخل محبسهم. تبادلوا النظرات في حيرة , وبدت عليهم علامات الحزن و الذهول و الياس , وكان عز اكثرهم غضبا , او قل ياسا , واذا بعضهم يطلب من ذويه عبر الهواتف النقالة احضار ملابس بيضاء , لان ملابس السجن للحبس الاحتياطي دون المستوي . لم يُظهروا اي مقاومة , بل كانوا في حال من الاستسلام التام , اقصي امانيهم ملابس مهندمة , وبمرور الوقت بدوا غير عابئين بالمستوي المعيشي الجديد , فهم ادركوا ان ما ينتظرهم ربما اشد قسوة من العيشة في الزنازين او ملابس السجن. توجهوا جماعة وسط الضباط و الجنود الي الزنازين الانفرادية لتزداد المعاناة النفسية لهم بعد ان طلب منهم مامور السجن ترك تليفوناتهم المحمولة لتوضع مع اماناتهم او تسلم لذويهم طبقا للوائح وتعليمات السجون. ولم يبدوا اي اعتراض , بل نفّذوا ما اُمروا به , وتوجهوا جميعا بعد اتمام اجراءات التفتيش الاداري الي محبسهم الانفرادي , كلٌّ الي زنزانته , لتطبق عليهم تعليمات السجون ولوائحه وتبدا امامهم رحلة حياة اخري.
كان منتهي امل احمد عز السماح له بتحسين وضع زنزانته , بان يقوم مثلا , ولو علي نفقته الخاصة , باعادة تركيب سيراميك في ارضيتها واعادة طلاء الجدران , هو طلب ذلك صراحة وعلانية من المامور حينما وصل الي زنزانته وعاينها , لكن طلبه رُفض طبقا للوائح السجون , فادرك ان لا مناص من التعامل مع الوضع الجديد كما هو بعدما فقد نفوذه وبات سجينا عاديا.
العادلي متماسك ومساعدوه منهارون
> حدثنا عن اول ليلة لوزير الداخلية السابق حبيب العادلي في السجن؟
_ في اليوم التالي لوصول عز و المغربي وجرانه , اي في مساء يوم 19 شباط ' فبراير ' , وفي تمام الساعة التاسعة مساء , توالت الاحداث , وجري اخبارنا بان قوة امنية تقوم بترحيل اللواء حبيب العادلي ومساعديه اسماعيل الشاعر , مدير امن القاهرة المُقال , وكذلك حسن عبد الرحمن , مدير امن الدولة , وعدلي فايد , مساعد وزير الامن العام الاول , من النيابة العامة الي سجن المزرعة , وانهم سيصلون في غضون ساعة الي السجن , فتوجه قادة مصلحة السجون وعلي راسهم اللواء عبد الجواد احمد مساعد الوزير للقطاع , و اللواء منصور الشناوي مدير الادارة العامة لسجون المنطقة المركزية آنذاك , وآخرون الي سجن المزرعة , واذا بموكب سيارات الترحيلات ياتي بالحراسات اللازمة , تتقدمها سيارات النجدة وعربة مدرعات وقادة مديرية امن حلوان من كبار الرتب , ليتوقف الركب ' المهيب ' امام سجن المزرعة , وتجمعت قيادات الشرطة و الضباط و الافراد حول سيارات الترحيلات , وبعد توقفها ببرهة نزل من السيارة الاولي , وهي مدرعة من مدرعات الامن المركزي , اللواء حبيب العادلي يرتدي بدلة كاملة مع ربطة عنق , وتوجه بسرعة وبشكل مباشر ومن دون ان ينظر الي المكان , الي داخل السجن , وبرفقته قائد الحرس الخاص به العميد محمد باسم لطفي , وهرول بسرعة الي مكتب المامور المجاور للباب العمومي علي يمينه تحديدا , واعطانا انطباعا بانه يعرف المكان جيدا , او كانه اتي كي يتفقد احوال السجن! جلس الي اقرب مقعد وفي جواره وقف حارسه. اللافت ان العادلي كان مبتسم الوجه واثقا من نفسه ووضع قدما علي الاخري واخذ يتحدث بمجرد جلوسه في تليفونه المحمول مخاطبا محاميه بصوت حاد يلومه , ظنا منه انه اساء التصرف او كان ضعيفا في اتخاذ الاجراءات الاحترازية و القانونية و الادارية التي يمكن ان تمنع حبسه , واخذا يتبادلان اطراف الحديث , وبعدما انهي المكالمة مع محاميه اتصل بنجله شريف مداعبا اياه بثقة واقتدار , وسمعناه يقول له : ' بابا في مامورية بعيدة وربما تطول -- خليك راجل زي ما انا عارف انك راجل ' , وظل يشدّ ازره , ثم تحدث قليلا الي زوجته , وسمعناه يهمس لها طالبا المحافظة علي بعض المستندات التي يمكن ان يستفيد منها في التحقيقات. ثم اغلق الهاتف واستعاد ابتسامته المتصنّعة , وبدا ينظر الي الحضور يرصد ردود فعلهم علي وجوده معهم!
اظهر العادلي تماسكا وسط الضباط , الي درجة انه اشاد بالنظام في السجن , معتبرا ان هذا الامر احد انجازاته!! ولم يتخل عن عليائه , وكانه ليس مدركا لوضعه الجديد , الا انه ابدي انصياعا للتعليمات في ذات الوقت , وكانه اراد ان يُظهر للحضور من مشاهدي واقعة سجنه عكس ما يخفيه من حسرة ظهرت تدريجيا مع تلمس حياته الجديدة.
كان مساعدوه المتهمون معه في القضية نفسها نزلوا من مدرعة ثانية مترجلين الي داخل مكتب المامور وهم في ذهول من الموقف وفي حالة من الاعياء الواضح , وبدوا علي عكس قائدهم تماما , اذ كانت اعينهم زائغة , وكان اكثرهم الما وحسرة وحزنا اللواء عدلي فايد , مساعد وزير الامن العام الاول , جلسوا جميعا علي مقاعد متفرقة في الغرفة , وتوجه مامور السجن الي الزنازين لمعاينتها و التاكد من تجهيزها لتستقبل نزلاءها الجدد , وجري نقل نزيل الزنزانة رقم 1 هشام طلعت مصطفي , الي زنزانة اخري اثناء وجود العادلي ومساعديه في غرفة المامور , اذ خصصت زنزانته لاقامة العادلي , نظرا لتمتعها بدورة مياه مستقلة. فوجئ هشام طلعت بالقرار , وابدي استياء شديدا من نقله من محبسه حيث كان اقام فيه فترة طويلة واعتاد العيش فيه , كما ان اقدميته في السجن تعطيه الحق في البقاء في هذا المكان. الحق ان الرجل كان دمث الخلق في التعامل واستجاب سريعا وتفهم الموقف بعدما علم بان العادلي سيحل محله , وتم نقله الي زنزانة بديلة.
عاد المامور الي مكتبه مرة اخري وتم ابلاغ النزيل الجديد حبيب العادلي بالتوجه الي الزنزانة , وما ان بدا في التحرك ممسكا هواتفه المحمولة في يده , بادره المامور منبها بعدم السماح بالهواتف المحمولة داخل السجن , فرد العادلي مبتسما : ' واحنا مع التعليمات ' , وسلم الهواتف للامانات بمكتب المامور تمهيدا لتسليمهما الي ذويه او حارسه الشخصي الذي كان يرافقه من لحظة دخوله السجن حتي اغلاق الزنزانة عليه. الطريف ان العميد باسم لطفي قائد حرس العادلي , بادرني بسؤال غريب ظهر منه كما لو ان هؤلاء يعيشون في واد آخر غير وزارة الداخلية , اذ قال : ' سيادة اللواء , هل يوجد في السجن جاكوزي لسيادة الوزير؟ ' , اعتقدت في البداية انه يمزح , لكن الموقف لم يكن يحتمل المزاح , كما ان تعبيرات وجهه اكدت انه كان يتحدث في جدية , فهمست في اذنه قائلا : ' سيادة العميد هذا سجن وليس ناديا -- يمكن ان تحضر ملابس بيضاء يرتديها غير ملابس السجن البيضاء , اما الجاكوزي فلا مجال لاحضاره!! ' . اتجه العادلي مع مجموعة من قيادات السجن و القطاع الي داخل محبسه , وما ان وصل الي مكانه الجديد حتي زاغت نظراته . كان اول طلب له الحصول علي مصحف , فاستجاب المامور ووعده بتسليمه المصحف في غضون دقائق , وهذا ما حدث بالفعل. قلت لنفسي وقتها : ' سبحان الله , لقد اصبح القرآن هو انيسه وكلمات الله هي رفيقه ' , واغلقت عليه الزنزانة وغادرنا جميعا المكان.
ثم عاد المامور ونحن معه مجددا الي حجرته , حيث اصطحب مساعدي العادلي الي داخل ' عنبر ' واحد جري سجنهم فيه , كلٌّ له سريره وادواته المستقلة. كانوا في طريقهم الي العنبر وبعد وصولهم اليه يتحسسون الارض تحت اقدامهم وكانهم يتمنون الاّ يصلوها -- . انها قيادات طالما امرت ونهت , تدخل السجن ويغلق عليها باب الزنزانة في انتظار اوامر ضابط صغير لنيل برهة من ترفيه او راحة او حتي فرشاة اسنان!
ليست هناك تعليقات :
إرسال تعليق