في واحدة من محاوراتي مع باحث خليجي نافذ عن الاحوال في مصر , اكد علي امرين : الاول ان هناك اهتماما خليجيا شديدا بما يحدث في مصر انقسم ازاءه الكثيرون بين ' اخواني ' و ' معادٍ للاخوان ' مثلما كانوا ينقسمون بين ' اهلاوي ' و ' زملكاوي ' مع احتمالية تبادل المواقع. ثانيا , ان الخوف من ' ثعبان الاخوان ' شديد للغاية , و التعبير له , علي استقرار دول الخليج , حيث كان النموذج الذي يطرحه مبارك غير مغر بالاحتذاء : فقر وقمع لاغلب المواطنين , لكن لو نجحت الثورة المصرية ونجح حكم الاخوان , فسيكون نموذجا يراود البعض تكراره في مجتمعات الخليج. وعليه , فان اخفاقات الاخوان و الكثير من السلبيات التي تمر بها الثورة المصرية , فضلا عن نظيراتها في سوريا وليبيا وتونس , جعلت الكثيرين ممن لديهم تحفظات علي النظم الحاكمة في الخليج , لا يفكرون في امتداد الربيع الي حدودهم.
وبسؤاله عن ' ثعبان الاخوان ' كان الكلام عن ان هناك من ينظر الي الاخوان علي انهم ' الثعبان الصغير ' بحكم حداثة وصولهم الي السلطة , ولكنهم حين يكبرون ويسيطرون ويتمكنون ستمتد ابصارهم خارج مصر حيث المحيط العربي الاوسع و الذي يكاد يوجد لهم في كل دولة عربية منه فرع , ودول الخليج ليست استثناء. اتذكر من سنوات حين كان الحديث عن التكامل الاقتصادي العربي مطروحا , كان المصطلح المستخدم هو ' الفيل المصري ' وكان السؤال من الذي يحب ان ينام بجوار الفيل. مصر بعدد سكانها وبثقلها التاريخي ستكون ' عبئا ' علي اي دولة تتكامل معها , و الكلام ينصرف الي التكامل الحقيقي , وليس فقط توقيع اتفاقات لا تساوي الحبر الذي كُتبت به , من وجهة نظر هؤلاء.
اذن , من وجهة نظر الخائفين من الثورة المصرية وما افضت اليه من وصول الاخوان الي السلطة , الآن مصر اصبحت ' فيلا ' يحكمه ' ثعبان ' , وان ارادت ان تنهض فعليها ان تعتمد علي نفسها تماما. هذه الطريقة في التفكير شائعة للغاية , ولا يبدو ان شيئا يمكن ان تفعله النخبة الاخوانية كي يغير هذا التوجه لعدة اسباب : اولا , كل الامتدادات و الفروع الاخوانية في كل الدول العربية التي تسمح بقيام احزاب سياسية , قامت بالفعل بتشكيل احزاب سياسية تسعي للوصول الي السلطة تحت مظلة الاخوان المسلمين , وهو ما نراه في دول الشمال الافريقي و الاردن و اليمن.
ثانيا , هناك ازمة مصداقية في علاقة الاخوان بخصومهم السياسيين حتي داخل مصر قبل خارجها , بما يعني ان اي التزامات يعلنها رئيس الجمهورية الحالي عن عدم تدخل مصر في شئون هذه الدول ستقابله النخب الحاكمة في دول الخليج مثلا بنفس النهج الذي تتعامل به المعارضة المصرية مع الرئيس مرسي. ثالثا , فائض الاموال العربية , و التي تُقدر بحوالي ثلاثمائة مليار دولار , تجد لها مكانا مستقرا ومربحا لها خارج المنطقة العربية , وكي تعود فلا بد من اجراءات اقتصادية وتشريعية كثيرة في مصر كي تصبح مصر مستقرا لها. المستثمر الاجنبي او العربي لا يدخل السوق المصرية الا اذا كان له شركاء مصريون. و الشركاء المصريون انفسهم يجتهدون في الخروج من السوق المصرية بسبب الملاحقات التي تنالهم قضائيا و التشهير بهم اعلاميا. رابعا , حين تهتم الدول و الشركات ذات الفوائض الاقتصادية بالاستثمار في دولة ما , فلا بد لهذه الدولة ان تحقق شروطا معينة سياسيا واقتصاديا وتشريعيا وشعبيا. وهذا غير متحقق في مصر الآن. ولن يتحقق الا باستدعاء خبراء حقيقيين في الملفات الكبري , ومصارحة حقيقية مع الشعب اولا ثم مع العالم , وتجنب الوعود التي لا يلتزم بها مطلقوها , وهذا اخطر ما يحدث من مؤسسة الرئاسة الآن. خامسا , جماعة الاخوان المسلمين لا بد ان تقنن اوضاعها وان تصبح ' جمعية مصرية ' خالصة ليس لها اي نشاط خارج حدودها , وتخضع تماما للقانون المصري بما في ذلك الكشف عن مصادر تمويلها وعدد اعضائها و الا تلعب ادوارا سياسية الا من خلال حزبها. وحتي وان ظلت افكار مؤسس الجماعة ملهمة لآخرين في اماكن اخري , لكن مصر ليست , ولن تكون , نقطة انطلاق لتهديد احد من الجيران.
بغير ذلك , سيكون الوصف الذي قاله الباحث الخليجي صحيحا , وستكون نتيجته وبالا علي مصر و الاخوان. هذه تذكرة , عساها تنفع , وان كنت اشك في ذلك .
ليست هناك تعليقات :
إرسال تعليق