
تفاصيل مشتتة بين ضحايا وشهود ونشطاء , جميعها تؤكد وجود ايد مدبرة لهذه الحوادث التي تزايدت حدتها في الفترة الاخيرة بشكل غير مسبوق من اجل تشويه الميدان , وترويع المتظاهرات من النزول اليه , وسط صمت الجهات الامنية في الدولة عن ملاحقة المعتدين.
كيف يحدث اغتصاب فتاة وسط تجمع آلاف من البشر؟ هل هي حوادث متعمدة يفعلها مندسون داخل الميدان من اجل تشويهه وتخويف الفتيات من النزول لانها حوادث متفرقة يقوم بها مجموعة من الافراد لا تجمعهم سوي غريزتهم الحيوانية؟ واخيرا -- لماذا لم يتم القبض حتي الآن علي اي من هؤلاء المتحرشين الذين لا يظهرون الا في مليونيات قوي المعارضة سواء تحت حكم المجلس العسكري او الاخوان؟
الخطوة الاولي : فصل الضحية عن اصدقائها فجاة
' ايديهم امتدت الي كل جزء في جسدي , كفوفهم لم تتوقف عن ضربي وما زالت آثارها علي ظهري , احدهم ضربني بمطواة وآخرون ظلوا ينهالون علي باحزمتهم , شعرت بانهم ينتقمون مني , رغم اني لم اكن اتظاهر الا للحرية و العدالة , فعاقبوني لاني انثي ' -- شريط مصور لمشاهد قاسية تسجلها ذاكرة ' م. ن ' التي طلبت عدم ذكر اسمها كاملا او صورتها او حتي التسجيل معها , واكتفت بذكر الحروف الاولي من اسمها وعمرها الذي لم يتعد عمرها 21 عاما , فهي احدي الفتيات اللاتي تعرضن للتحرش الجماعي في ميدان التحرير , حادث اغتصاب جماعي لفتاة اخري وقع هذا العام اثناء تظاهرات ذكري ' 25 يناير ' , اعادت تلك الحوادث مشاعر الالم و الحزن ل ' م , ن ' التي لم تتوقف عن البكاء فور سماعها بما حدث لهن , حيث وجدت في حادثة الفتاة المغتصبة بالميدان و التي لم تتعد هي الاخري 19 عاما , نفس تفاصيل واقعتها , التي تضمنت الخطف و الانتهاك الجماعي و الضرب و الاصابة , وكان الفاعل واحد في كلا الجريمتين , قالت : ' حديثي انذار وتجسيد لحملة مغرضة تتم ضد فتيات الميدان تقول لهم اجلسوا في المنازل , وكانهم يعتبرون اننا نقطة ضعف تستطيع ان تكمم افواه الحرية ' , وهو التفسير الذي لا تتبناه ' م ' لوحدها , بل تتفق معها اغلب ضحايا التحرش الجماعي الذين قبلوا تسجيل شهادتهم , و الشهود العيان , واصحاب مبادرات الدفاع عن التحرش.
' في السادسة من مساء الجمعة 23 نوفمبر , كنت مع احدي صديقاتي نقف بالقرب من تقاطع شارع القصر العيني و الشيخ ريحان , ضمن مليونية لا للاعلان الدستوري , سقطت عدة قنابل مسيلة للدموع اطلقتها قوات الامن علي المتظاهرين اثناء المواجهات عند سيمون بوليفار , فبدات اجري انا وصديقتي لنجد انفسنا وسط قوات الامن , من التزاحم وقعنا علي الارض , في هذا الوقت هجم علينا مجموعة من الشباب ظهروا فجاة ليبداوا في تمزيق ملابسنا ' , كانت هذه جزءا من شهادة ' ي ' عن واقعة اغتصابها بالقرب من شارع محمد محمود مساء مليونية ' حلم الشهيد ' و التي نشرتها علي الفيس بوك , وهي الحادثة التي اثارت جدلا كبيرا نظرا لوقوعها في مكان شديد الازدحام , ولم تكن الساعة تتجاوز التاسعة مساء.
الخطوة الثانية : نشر الشائعات
' هوجة وصراخ وناس كتير متجمعين وضرب بالاحزمة ' -- كان هذا اول ما رآه ' ر. ن ' في احدي وقائع التحرش الجماعي التي حدثت امامه بميدان التحرير , وفي ذلك يقول : وجدنا عددا كبيرا من الناس متجمعين عند شارع محمد محمود , يتمايلون يمينا ويسارا من شدة التزاحم , وفي المنتصف شاهدت مجموعة رجال يمسكون باحزمة ويضربون بها شخص ما اقتربت بسرعة لمعرفة ما يحدث وكلما سالت اخبروني بانهم يضربون لصا , لكن عندما وصلت الي الموقع اكتشفت ان من يتعرض للضرب بالاحزمة فتاة عارية تماما ومن يضربونها هدفهم اضعاف مقاومتها.
' ح. م ' شاهد آخر اكد ان الجناة , منعوا دخوله لمساعدة الضحية بحجة انهم لا يريدون زيادة عدد المتحرشين , في حين خلفهم العشرات يتحرشون بها وكانهم وقفوا لحمايتهم.
في هذا الوقت كان داخل المستشفي ' ا. ن ' , ملازما لصديقه المصاب في الاحداث , وقال في شهادته : ' فجاة وجدت مجموعة كبيرة تقتحم المستشفي الميداني , وبينهم الفتاة العارية تماما , ولاحظت ان من يتحرش بها هم الذين يبعدون الناس عن مساعدتها ' .
' ا ' اكد انه شهد العديد من حوادث التحرش الجماعي منها ما وصل الي الاغتصاب وان الجناة من غير الوجوه المالوفة علي الميدان وموضحا : ' مسكنا احدهم ذات مرة , فلم تمر دقائق الا وجاء مجموعة من الافراد واعتدوا علينا بالضرب وخلصوه منا.
انتهاء المهمة و الهدف ' اغتصاب الميدان '
جانيت عبد العليم احدي المسعفات في التحرير حيث تقدم الدعم النفسي و المعنوي لضحايا التحرش التابعة لمركز وسائل الاتصال الملائمة من اجل التنمية قالت : استخدام التحرش الجنسي كسلاح للقضاء علي المظاهرات وتشويه اماكن بعينها ظاهرة اعتدناها _ كناشطين في حقوق الانسان _ منذ عصر مبارك , لكنها كانت تسند لجنود الامن المركزي , وفي عهد المجلس العسكري اتخذت الظاهرة شكل كشوف العذرية , وسحل ' البنات ' , لكن الاكثر قسوة كان في عهد الرئيس مرسي , حيث وصل الامر الي حد الاغتصاب الكامل.
واضافت جانيت : المجموعة التي تختطف البنت في البداية , يكون هدفها في كل الحالات واحد ' فض غشاء البكارة ' , وهو سلوك عنيف ليس هدفه ' التحرش ' , وانما ' تاديب ' الفتاة.
فتحي فريد , منسق مبادرة فؤادة ووتش , كان في التحرير اثناء مليونية ' حلم الشهيد ' قال : مع حلول السادسة مساء وصلتنا علي غرف العمليات بلاغات عديدة تفيد بان هناك ضحية تنتهك من قبل اعداد كبيرة قرب كوبري قصر النيل وان اعداد النشطاء لا تكفي لانقاذها , فتحركنا في مجموعات كبيرة لانقاذ الضحية ونصبنا حاجزا حولها وخلقنا ممرا آمنا لعبور البنت التي ستنقذها.
محمد عواد , عضو المكتب التنفيذي للتيار الشعبي , ومنسق حركة شباب من اجل العدالة و الحرية , اكد ان تصاعد حالات الانتهاك الجسدي الجماعي بدا مع اعلان قوي المعارضة الاعتصام داخل الميدان , مشيرا الي ان القوي الثورية الشبابية رصدت هذه الحالات منذ فترة كبيرة , ولاحظنا وجود مجموعات منظمة ماجورة , مثل التي كان يستخدمها الحزب الوطني من قبل وهي نفسها التي كانت تفتعل المشاكل مع المتظاهرين بعد انتهاء 18 الاعتصام الاولي بعد الثورة , الا انها حاليا تستخدم من اجل ترويع المتظاهرات في الميدان.
وقال عواد : ' هناك اطراف تستهدف استمرار المشاكل في الميدان , وتؤجر مجموعات كبيرة تندس وسط المظاهرات , تعتمد علي استهداف الفتيات وجرهن لاماكن منخفضة الكثافة العددية مثل الحارات او اطراف الميدان عند جماعة الدول العربية او قصر النيل او ميدان عبدالمنعم رياض , لانهم يعلمون ان معظم الشباب الثوري يكون في قلب الميدان , وبالتالي بمجرد ان نعلم بالحدث ونصل اليهن يكونوا قد ادوا مهمتهم في انتهاك الفتاة ' .
واوضح ان القوي الشبابية تعمل حاليا علي اعداد خطة لمواجهة هذه الاعتداءات , قائلا : ' سنعيد في الفترة القادمة مجموعات العمل التي ستنزل لتشارك في تامين الميدان نفسه ' .
من جانبه , اكد محمد تيمور , منسق مبادرة ' لا للتحرش ' , ان حالات التحرش الجماعي التي ترصدها المبادرة تقريبا تكون متطابقة في كيفية تنفيذها ما يؤكد انها مقصودة وليست عشوائية , موضحا ان الحوادث تنال في الغالب المشهورات , مثل المراسلات الصحفيات , او الفنانات كما حدث مع بسمة , او الناشطات السياسيات , وهذا يوضح اختيار الجناة للضحية بعناية.
لماذا التحرش؟
قالت ماسة امير , باحثة في مركز نظرة للدراسات النسوية : لاحظنا في التحرش الجماعي انه يبدا بضرب الفتاة كي تخضع وان هؤلاء يعرفون ان الانتهاك الجنسي اكثر ما يدمر السيدة لان المجتمع لا يعتبرها ضحية.
هذه الظاهرة يرجع حسن نصار , منسق مبادرة بصمة لمنع التحرش , سببها الي ان القانون عقيم -- صحيح عقوبته كبيرة لكن لمن يستطيع الاثبات , وهذه ثغرة تتيح لاي بلطجي الاعتداء علي الفتاة دون عقاب , فالمجني عليها وفقا للقانون يجب ان تقبض علي الفاعل مع وجود شهود وتقتاده الي اقرب قسم شرطة وتحرر له محضرا , وغالبا ما تطالب اقسام الشرطة و الفتاة بالتوجه الي النيابة العامة لتقديم بلاغها , وبعدها تدخل في قضية طويلة الامد تكون كافية لمعرفة الراي العام كله بالواقعة , وهو امر لا تستطيع كل الفتيات مواجهته , وبالتالي يفضلن الصمت.
حسن اوضح ان من يقف وراء التحرش الجماعي في التحرير يستغل هذه الثغرة في تحقيق مصالحه.
واضاف حسن : نظمنا _ كمبادرات لمنع التحرش _ وقفة في الثامن من اكتوبر الماضي وقدمنا مشروع قانون كامل الي ديوان المظالم برئاسة الجمهورية يتضمن تغليظ عقوبة التحرش ولم يرد علينا حتي الآن اي احد من الرئاسة.
عدم الاستجابة التي تحدث عنها النشطاء في مجال حماية المراة من التحرش.
-- و المساعدة النفسية بمركز ' نظرة ' : التحرش الفردي جبان وتحكمه الغريزة -- و ' الجماعي ' مقصود
التحرش الجماعي مقصود لان هدفه لا يكون في الغالب غريزيا * عكس الفردي_ كما ان المشاركين فيه يشعرون بحماية بعضهم البعض -- هذا ما اكدته هبة غنيم , المساعدة النفسية بمركز ' نظرة ' للدراسات النسوية , مشيرة الي صمت ' المنتهكات جسديا ' وعدم ابلاغهن خشية نظرة المجتمع و الفضيحة.
> ما التاثير النفسي علي اللاتي يتعرضن للتحرش؟
_ التحرش و الاغتصاب اكثر ما يشكل صدمة نفسية للسيدة او الفتاة , لانه يفقدها الثقة , ويجعلها تشعر بالقلق و الخوف , حيث دائما ما تجدها فاقدة الثقة في الناس وينتابها الشعور بالقلق , من ان يتكرر لها نفس الحادث , وقد يصل الامر الي حد عدم قدرتها علي التعامل مع الناس من جديد , وتختلف مدة عودتها الي حياتها العادية حسب طبيعتها.
وقد يصل التاثير الي حد دخول الفتاة في عزلة ونفي ما تعرضت له كنوع من رفض الذاكرة للاعتراف بما حدث معها واري ان التحرش الجماعي او الاغتصاب يضرب الفتاة في احساسها بانوثتها ونفسها ويشعرها بالاهانة لتعريتها امام مجموعة الذئاب البشرية وغيرهم خصوصا في ظل طبيعة مجتمعنا الذي يعتبر ان اهم ما لدي البنت شرفها حتي وان كان فقدها له رغم انفها.
> في رايك ما سبب تزايد ظاهرة التحرش و الاغتصاب الجماعي التي شهدها ميدان التحرير في الآونة الاخيرة؟
_ اعتقد ان تكرار هذه الظاهرة الوحشية علي مدي اشهر قليلة يهدف الي تكوين انطباع سلبي لتخويف الفتيات و السيدات من النزول الي الميدان ومعارضة النظام و الكثير من الفتيات العاديات سيخضعن لهذه الرؤية , لانها وقتها لن تبرر ما قد يحدث لها بانها تنزل من اجل الدفاع عن بلدها , وانما لانها بنت , عكس فتيات اخريات قد يكن من الناشطات الذين لديهن قضية للدفاع عنها او اكثر ايمانا بالثورة , فهؤلاء سيشاركن في الاحتجاجات لاثبات عدم خوفهن ولو تعرضن لاي انتهاك سيحولنه الي قضية قومية.
> ما الذي يستفيده المتحرش بتخويف البنات من النزول الي الميدان وكيف يشارك في اغتصاب جماعي وسط المتظاهرين؟
_ المتحرش جبان جدا , وبمجرد ان تتصدي له الفتاة تجده يهرب , لذلك اميل الي اعتبار الحوادث التي شهدها الميدان مقصودة , فالتحرش الفردي يكون غريزيا عكس الجماعي , الذي لا يحدث وسط الجموع الا اذا كان المعتدون يعرفون بعضهم البعض ويعلمون بوجود قوة اكبر تحميهم , ويجمعهم هدف واحد , لذلك تجد تشابه كبير في الطريقة التي يقع بها التحرش الجماعي في الميدان و الذي غالبا ما يكون افراده تحت تاثير المخدر بدليل تحملهم احيانا الضرب.
> كيف تعاملت مع حالات تعرضت لمثل هذه الحوادث في الميدان؟
_ وصلتنا شهادات لفتيات تعرضن للاعتداء الجنسي , ووجدنا انهن غالبا لا يطلبن التاهيل النفسي مباشرة , وبعضهن يكتبن ماساتهن كنوع من تحذير الاهالي , بينما تري فتيات اخريات ان ما تعرضن له امور شخصية لا يجب الحديث فيها , وفي الحالتين نتعامل مع الضحية بحذر واهم شيء هو ان نعيد تكيفها مع ما حدث ونساعدها في مواصلة حياتها بطريقة طبيعية.
> في اعتقادك -- ما سبب رفض معظم الفتيات الابلاغ عن تعرضهن للتحرش؟
_ سبب عدم الابلاغ عن التحرش او الاغتصاب في مصر ليس الفتاة بل المجتمع , حيث يجد الاعلام و الراي العام في مثل هذه الحوادث مادة خصبة للكتابة و البث و الحديث , وبالتالي تجد الفتاة نفسها ليست فقط في مواجهة صدمتها النفسية , بل ايضا في مواجهة نظرة المجتمع ككل لها , علي مدي فترة كبيرة تقتضيها ظروف التقاضي الذي يستلزم وقتا واجراءات معقدة , بالطبع من الافضل ان تبلغ حتي تحصل علي حقها وتمنع مغتصبها من ايذاء غيرها.
ليست هناك تعليقات :
إرسال تعليق