الشمس في مرحلة الفتوة تزيد من حيرة العلماء حول ظروف تكون الأرض



قبل اربع مليارات سنة , بدات الشمس باشعة تضاهي 70 في المائة من اشعتها الحالية. ثم ازدادت اشراقا ببطء , فحتي قبل ملياري سنة ' اي بعد تشكل الارض ب2,5 ملياري سنة ' , كانت اشعة الشمس لا تزيد عن85 في المائة من اشعتها اليوم. ولم تكن تلك الشمس الفتية الخافتة لتتمكن , بمفردها , من منع تجمد الارض. ومع ذلك , فان الصخور القديمة تحوي العديد من المؤشرات الي ان الارض كانت مبللة.

وتقول مجلة ' نيو ساينتست ' , في تقرير نشرته اخيرا , ان العلماء ادركوا , في منتصف ستينات القرن الماضي , ان ذلك يشكل مفارقة , هي ما يعرف الآن بمفارقة الشمس الفتية الخافتة. وقد مثلت تلك المفارقة مشكلة كبيرة تطلبت تفكيرا جديا. فهي لم تعن عدم انسجام الادلة الجيولوجية و الفلكية فحسب , ولكنها اضافت ايضا لغزا محيرا بشان ظهور الحياة علي كوكب الارض. فلم تكن الحياة لتبدا بسهولة علي كوكب جليدي.

حل محتمل

وفي عام 1972 , اقترح باحثان , هما كارل ساجان وجورج مولن , من جامعة ' كورنيل ' حلا لتلك المفارقة : ظاهرة الاحتباس الحراري. فحين تصل اشعة الشمس الي الارض , يرتد جزء منها الي الفضاء , ولكن الجزء الآخر يبقي , وذلك بفضل الغازات الحابسة للحرارة الموجودة في الغلاف الجوي. ولا بد ان الارض اطلقت , في مراحلها الاولي , غازات معينة من صخورها , مكونة اول غلاف جوي. و الغازات المكونة لذلك الغلاف ربما مكنته من الحفاظ علي دفء الارض بما يكفي لاذابة الجليد , وذلك حسب قول ساجان ومولن , اللذين اشارا الي الامونيا باعتباره احد تلك الغازات.

وللاسف , فقد تبين ان الامونيا لم يكن حلا جيدا. حيث وجد علماء آخرون انه من شان الاشعة فوق البنفسجية المنبعثة من الشمس ان تدمر اي امونيا متراكمة في الجو خلال اقل من عشر سنوات.

ولكن الامونيا ليس الغاز الوحيد الحابس للحرارة. فاليوم يشكل ثاني اكسيد الكربون و الميثان غازين ضروريين للحفاظ علي دفء كوكبنا ' وجعله اكثر دفئا ' . وقد حاول العلماء لسنوات عدة تضييق النطاق الممكن لوجود كلا الغازين حول الارض في مراحلها الاولي. ولكن ذلك يعد امرا صعبا جدا , لان العلماء يعرفون ان هناك العديد من العوامل التي يمكن ان تؤثر علي نسبة تركيزهما. اذ شهدت الارض في مراحلها الاولي عوامل لا نشهدها اليوم , مثل السقوط المتواصل للمذنبات و النيازك العملاقة. وما يزيد الامور تعقيدا هو ان الغازات الحابسة للحرارة ليست حابسة للحرارة دائما. فالميثان , بمجرد ان تصبح نسبته الي غاز ثاني اكسيد الكربون مرتفعة للغاية , ينتج ضبابا عضويا يعكس اشعة الشمس الي الفضاء , مبردا كوكب الارض.

عوامل اخري

ويجمع العلماء اليوم علي امكانية ان يكون غازا الميثان وثاني اكسيد الكربون قد ساهما في تدفئة الارض في مراحلها الاولي , ولكن ليس بما فيه الكفاية لايجاد حل للمفارقة. لذا فان العلماء يدرسون عوامل اخري محتملة.

واليوم , يقدم كل من روبن وردزورث وريمون بييرهمبرت من جامعة شيكاغو عاملين جديدين. حيث يجادلان بان جزيئات غازي الهيدروجين و النيتروجين يمكن ان تكون مسؤولة عن جزء كبير من الفرق بين توهج الشمس الضعيف ودفء الارض الملائم للحياة.

ولا يكاد غلافنا الجوي الحالي يحوي اي هيدروجين جزيئي , وذلك لان الاخير يهرب بسهولة الي الفضاء. ولكن وردزورث وبييرهمبرت يجادلان بان مثل هذا الهروب كان اصعب بكثير بالنسبة للهيدروجين المحيط بالارض في مراحلها الاولي , ويرجع ذلك جزئيا الي انه لم يكن يحصل علي دفعة قوية من الاشعة فوق البنفسجية المنبعثة من الشمس. وهما يقدران ان الهيدروجين كان ربما يشكل ما يصل الي 30 في المائة من الغلاف الجوي. ويجادلان ايضا بان مستويات النيتروجين كانت اعلي مما هي عليه اليوم بثلاثة امثال.

شوط طويل

وفي حين ان النيتروجين و الهيدروجين , كلا علي حدة , لا يقومان بعمل جيد جدا فيما يتعلق باحتجاز حرارة الشمس , فانهما حين يصطدمان , تتغير تركيبتهما لفترة وجيزة , مما يتيح لهما امتصاص الاشعاع الشمسي. وقد طور وردزورث وبييرهمبرت نموذجا لغلاف جوي قديم غني بالهيدروجين و النيتروجين , ووجدا ان الجزيئات , حين اصطدمت ببعضها البعض , امتصت ما يكفي من الحرارة لرفع درجة حرارة الكوكب , حسب قولهما , بما يتراوح بين 10 و15 درجة مئوية. وذلك من شانه ان يقطع شوطا طويلا في حل مفارقة الشمس الفتية الخافتة.

ومع ذلك , فانه لا يرجح لهذه الدراسة الجديدة ان تنهي النقاش الدائر منذ خمسين عاما. ففي تعليق مصاحب , يجادل جيمس كاستينغ من جامعة بنسلفانيا بان النيتروجين اثقل من ان يمتص قدرا كبيرا من اشعة الشمس , حتي وسط حدوث تصادم.

انعكاسات

لقد تبين ان الهيدروجين و النيتروجين يشكلان جزءا من حل مفارقة الشمس الفتية الخافتة , فقد تكون لهما انعكاسات مذهلة علي الحياة علي كوكب الارض , وفي اماكن اخري. فالهيدروجين الجزيئي يمثل وليمة بالنسبة لانواع معينة من الميكروبات المعروفة بالميثانوجينات. ومن شان تلك الميكروبات ان تكون , بمجرد تطورها , قد تغذت علي سماء غنية بالهيدروجين. ومن المحتمل انها , من خلال التهام الهيدروجين الحامي للارض , بردت الكوكب الي ان شهد اول انهاره الجليدية. وفيما يتعلق بخارج الارض , فقد نحتاج الي توسيع نطاق مفهومنا لنوعية الكواكب التي تستطيع دعم الحياة. فلو تبين ان كوكبا ما يزخر بالهيدروجين و النيتروجين , فانه قد يشكل حاضنة دافئة بالنسبة للكائنات الفضائية.

ليست هناك تعليقات :