التوافق في مهب العنف سيف الدين عبدالفتاح


حينما تحدثت في المقالة السابقة عن ان تاجيل الانتخابات فرصة يجب الا ندعها جميعا تمر او تضيع كان مقصودي ان نؤكد علي ضرورة تهيئة الاجواء لمصالحة سياسية كبري تحقق الهدف منها لانقاذ الوطن من ازمته وحماية الثورة من المتربصين بها , وكذلك كان من المقصود ان نهيئ مناخ الاستقرار بصورة ملحة حتي يمكن التفكير بهدوء في الخروج من هذه الازمات برؤية رصينة تحفظ لحمة الجماعة الوطنية وتخرج من قمقم الاستقطاب . الا ان المشاهد التي وقعت خلال هذا الاسبوع و المرشحة للتصاعد خلال الايام القادمة اشارت الي كيف ان الاحداث العابرة يمكن ان تسهم في واد استراتيجيات كبري في مهدها ذلك ان الحدث الصغير قد يؤدي الي اثر كبير لا يمكن التحكم به او فيه فيؤدي ذلك الي نسيان الهدف الاساس او تحويل الانظار عنه الي امور تتصدر المشهد من غير استئذان , وتقوم الاطراف التي تتعلق بصناعة عالم الاحداث و التهويل فيه بتقديم صورة هذا الحدث بحيث يطغي علي كامل المشهد السياسي وتصير كل الامور تتعلق بمصالح الوطن وبمحاولة التعامل مع ازماته الحقيقية في خلفية المشهد وربما تتواري الي زوايا النسيان.

_ _ _

اقول كل ذلك بمناسبة حوادث تتعلق باحداث المقطم الاخيرة , واحداث شبرا الخطيرة . وكيف ان هذه الاحداث تصدرت المشهد السياسي لتعبر عن امر خطير , يستحق اطلاق النذير و النفير يتعلق بحالة من الوباء في استخدام المفاهيم و التعامل معها بازدواجية خطيرة , و الحديث عن بعض اشكال العنف و التعتيم علي اخري , كل ذلك انما يعبر عن وباء يرتبط بحالة الاستقطاب وحالة الانقسام وصناعة الفرقة و الفوضي لتكون هذه الاحداث و الصناعة المتعلقة بها مما يطمس المواقف الاستراتيجية و القيام بعمل يجعلنا نستشرف صفحات جديدة في العمل السياسي نخرج به من حال ال ' الزهايمر ' السياسي ومن حال الوباء ' المفاهيمي ' في الاستخدام و الاستعمال , دعونا اذن نرَ المشهد الذي يتعلق باحداث المقطم لتعبر عن احتراف في نقل مصادر عدم الاستقرار الي اماكن مختلفة فتارة نحن امام قصر الاتحادية , واخري نحن في كورنيش النيل عند فندق سميراميس , وثالثة نحن في المقطم عند مكتب الارشاد , وفي كل مرة سيصنع المشهد ضمن حالة عنف خطيرة تمارس في المجتمع وتجعل من الفوضي و الانفلات الامني و التحرش ليس فقط بعالم الانسان ولكن بعالم المؤسسات و المباني , او بالطرق وقطعها او بالاعتصام علي شريط السكك الحديدية , كل هؤلاء صاروا يؤزمون المواقف بشكل او بآخر ليعبروا عن اضافة سلبية لمشهد عنف يمارس في الاحتجاج , وعنف مضاد تراق فيه الدماء , وتزدهر فيه تجارة العنف و العضلات.

وضمن هذه المشاهد نري علي سبيل المثال بعض المحتجين يرسمون ما يعبرون به عن احتجاجاتهم علي مكتب الارشاد وجماعة الاخوان المسلمين بطريقة تعبر عن حال من الاستفزاز الذي قد يؤدي الي مناوشات واشتباكات غير مامونة تتحول في النهاية الي اقتتال يحاول البعض صناعته واثارته , نري من المشاهد من بنت تَضرب وتُضرب , وتعلن هي في مشهد الاقتتال عن كل ذلك , ونري في ذلك المشهد من شعارات لا تحمل فقط معاني السخرية ولكنها تحمل عناصر الايذاء اللفظي لتعبر عن حالة عنف في هذا الاطار , العنف لا يعبر في ذاته عن ممارسة عضوية او ممارسة بدنية , ان من العنف ما يمارس بشكل لفظي او بدني او عضوي , ذلك ان اخطر ما يمارس في هذا المقام يعبر عنه ثقافة ممتدة من ان حروب اللسان تكون مقدمة لحروب السنان , وان الاقتتال يبدا في معظمه من اقوال وخطابات مستخدما كل الكلمات المفخخة و المتفجرة بحيث تحدث دويا يحقق تحول هذا العنف اللفظي الي عنف واقتتال مادي.

وغاية الامر في هذا ان نؤكد ان كل احد لا بد ان يحفظ ادواره ويعلن احتجاجه في الاطار الذي يعبر فيه عن رايه في التظاهر و الهتاف , لكنه من غير المقبول ان نستخدم من الكلام ما يشكل عنفا لفظيا ويؤدي الي احتراب بيني يمكن ان يولد مع تراكمه نتائج لا تحمد عقباها ولا يمكن التحكم فيها , وفي ذات الوقت فانه من الواجب علي من يوجه اليه الاحتجاج ان يتعامل في حدود ما هو واجب بما لا يؤدي الي تفجر عالم الاحداث اكثر مما يحتويه او يستوعب عناصر الخطر فيه , ان شكل التعامل بالبلطجة المتبادلة بالقول او السلوك انما يشكل في حقيقة امره حالة من الاستقطاب يمكن ان يكون فيها الشباب ضحية لمثل هذا الميراث.

وهنا لا بد ان نؤكد ان لطم الفتاة امام مقر مكتب الارشاد يعبر عن فائض فعل لا يمكن قبوله وفق اصول اخلاقيات المجتمع العامة التي تجعل من هذا السلوك امرا غير مقبول ومستهجنا , وان التطاول من فتاة علي شاب بالقول او بغيره يعد كذلك امرا خارجا عن حدود الاخلاقيات العامة التي لا يمكن ان تقر هذا النوع من السلوك المتبادل من العنف قولا او فعلا.

_ _ _

وكذلك فان حادثة شبرا تعبر عن ذات الامر حينما يختلط فيها الحابل بالنابل فتتحول المشاجرة الي حالة اقتتال سياسي من اقرب طريق , وتعبر عن اختلاط شديد بين الشخصي و الخاص و العام و السياسي , هذا الاختلاط الذي يفسد اي عمل يتعلق بامكانات احتواء الموقف او التعامل معه , ومن الواجب ايضا ان نؤكد علي ان الشرطة في هذا الحدث صارت طرفا تقدم فيه بممارساتها توريطا لمؤسسات الدولة في عمل لا يمكن قبوله لانه من تراث الماضي , ان امتهان اي شخص من قبل الشرطة لم يعد امرا مقبولا وان التجاوز في التعامل لا يمكن باي حال من الاحوال الا اعتباره حالة من التصرف غير الرشيد الذي يحرك كل نوازع الاحتراب بين الناس ومؤسسات الدولة وتمثل فيه الشرطة طرفا في اطار تصفية حسابات سابقة او لاحقة , وتعبر بذلك عن قدر من التوجس , ويؤكد المعني الذي كررناه مرارا وتكرارا من اننا ندفع ضريبة عدم القيام بصورة حقيقية وجوهرية باعادة هيكلة الجهاز الامني وترسيخ عقيدة جديدة في التعامل اليومي مع المواطن وكل ما يتعلق بكرامته او اهانته.

واخطر من ذلك الا نجد من جمعيات حقوق الانسان الا فيما ندر انها لا تلقي بالا لهذا الحدث , وكذلك الاعلام الذي يقيم الدنيا ولا يقعدها في حوادث سابقة وفي اطار عمل لا يقبل ازدواج المعايير او الحالة الانتقالية التي تعبر عن وباء ادراكي في اطار انتقاء التفسيرات و المواقف.

ان حق الانسان يرتبط به كانسان وعلي كل هؤلاء من جمعيات حقوق الانسان او اعلام ان يتعلموا كيف يقتفون المواقف القيمية و الاخلاقية ولا يفرقوا بين صاحب اتجاه او صاحب انتماء الي اي حزب من الاحزاب او تيار من التيارات او ينتمي لاية قوي سياسية , ان خضوع المفاهيم لحالة من الاستقطاب يعبر عن ذلك الوباء الذي اصبنا به وتمكن منا فصرنا نكيل بالف مكيال.

_ _ _

ان خطورة هذا العنف انما تكمن في اثره الحال , ومآلاته المستقبلية , ومن تحوله من حالة عابرة الي حالة هيكلية , ومن تصور يتعلق بانتاج العنف وتوطين البيئة لحالة من الاقتتال و الاحتراب في الخطاب و الافعال , ومن هنا تبدو دائرة العنف التي ستنضاف الي صناعة الاستقطاب وصناعة الفوضي الي صناعة دوائر العنف التي تنداح في ارجاء المجتمع فتشكل عملا خطيرا ضمن الاداء السياسي يخرج الثورة عن مسارها الحقيقي ويشكل الاحتجاج في ثوب من العنف الهيكلي.

ومن هنا يجب علينا ان نعي مآلات الافعال و الاقوال , لان هذا امر لا يمكن تحمله في اطار خلق دائرة العنف الجهنمية التي لا يمكن التحكم فيها وبها , و ' ما دخل العنف في شيء الا شانه , وما كان الرفق في شيء الا زانه ' , دعونا نحرك صناعات اخري غير الفوضي و الاستقطاب و العنف ونؤسس لصناعات التوافق و التماسك و الخروج من حال الازمة لتاسيس مجتمع جديد وصياغة عقد جديد.

ليست هناك تعليقات :