يوم الانتحار الجماعي لنا و لثورتنا في المقطم وائل قنديل


كان امس يوما للانتحار الجماعي -- هذه الحشود و الحشود المضادة لا تعني الا ان اناسا صنعوا ثورة رائعة , ثم قرروا هدمها واحراقها واطلاق النار عليها -- وسواء كان يوم امس قد مر دون اراقة دماء , او العكس , فان نزيفا لايزال مستمرا في هذه الثورة وقيمها ومبادئها الانسانية و الوطنية و الاخلاقية.


ان مصر كلها تدفع ثمنا باهظا لنزوات حمقاء لمجموعة من الجنرالات المتقاعدين و القاعدين ممن اخشنت جلودهم وانتفخت ذواتهم فلم يعد يهزهم جريان الدم علي الاسفلت , وكان احدا لم ينظر في كتاب التاريخ ليعلم ان هذه الامة انتكست وانتكبت وتاخرت وضاعت في طرقات التخلف نتيجة مواقف مشابهة للمشهد الذي تابعه العالم امس.

والمشهد باختصار ان شريكين في معركة باسلة حققا انتصارا اوليا ثم اسكرتهما نشوة الانفراد و الريادة فاستدارا يتبارزان ويقتل احدهما الآخر , فانقض الذي كان بالنسبة لهما عدوا علي الساحة.

انهم كلهم يحفظون تاريخ ماساة الفتنة الكبري عن ظهر قلب , ويطنطنون بحكاية كربلاء طوال الوقت ويذرفون الدمع الهتون علي الصفحات السوداء في كتب التاريخ , لكنهم يبذلون الغالي و النفيس ليعيدوا انتاج المآسي و الفواجع.

ولا يعرف احد ما هو المكسب الكبير الذي سيتحقق للثورة المصرية حين تصعد الاطراف التي تشاركت في صناعتها جبل المقطم وتتحارب وتطعن بعضها بعضا وتنحدر وتسقط من الاعلي الي سفح الانحطاط الحضاري؟

من هو العبقري الذي اوحي للذين كانوا جمعا واحدا ويدا واحدة بالذهاب الي مراعي الانتحار و الرقص علي الدماء و الاشلاء؟

اذكر انه قبل شهور قليلة من الآن كانت بوادر النكسة الاخلاقية للثورة حين صار ميدان التحرير غير قادر علي استيعاب متظاهري التيارات الاسلامية وجماهير القوي المدنية و الليبرالية معا -- وفي ذلك الوقت وقعت اشتباكات واريقت دماء وانتهي الموقف المؤسف بان اعتبر بعضهم ان ذهاب الاخوان الي ميدان التحرير بمثابة اعلان حرب ودعوة لسفك الدماء.

ومنذ ذلك الوقت جري الاعلان رسميا عن قسمة الثورة المصرية علي اثنين وتشظي وانشطار الكتلة الثورية الي قطع صغيرة متناثرة , كل منها يقول ' انا الثورة و الثورة انا ' وتمزقت خريطة ميدان التحرير كوعاء لجميع الثوار , ودخلنا في ثنائية ' الاتحادية نهضة مصر ' واختفت هتافات ' ايد واحدة ' وتقطع الجسد الثوري , وتحول الي خصمين لدودين , واشتغلت ماكينة البذاءة و القبح بكامل طاقتها.

وتحفظ الذاكرة ان انتقادات عنيفة بلغت حد الاتهام بالقتل وجهت للاخوان لانهم ذهبوا للتظاهر عند قصر الرئيس ' الاخواني ' ضد معارضيه , فترسخت عملية تقسيم الميادين وارتفعت الجدران العازلة , وكما انتقدنا الاخوان و الاسلاميين علي ذهابهم للاتحادية ما ادي الي حدوث مصادمات مع القوي الاخري , لا يمكن ان نصفق لقرار الاحزاب و الحركات التي توجهت الي مقر الاخوان في المقطم ولا تبرئة كل الذين سعوا الي صدام مجنون , ولا يمكن وصف هذا التحرك الا بالانتحار.

ليست هناك تعليقات :