يدهشك في المشهد المصري ان الذين حذروا من تكرار سيناريو الثورة الرومانية , ينقلبون علي انفسهم الآن ولا يدخرون وسعا في تمهيد التربة لوضع بذور الفشل الثوري الروماني في مصر.
ان مصر نجت من مصير الارتداد الثوري علي الطريقة الرومانية , ولو لم يكن في الرئيس محمد مرسي ميزة واحدة , فيكفي ان وصوله الي الحكم كان بمثابة اعلان اندحار سيناريو ثورة رومانيا في مصر.
لكن الغريب حقا ان محاولات انتاج التجربة الرومانية لم تتوقف حتي الآن , ولعل نظر محكمة القضاء الاداري امس لدعوي بطلان تنحي او خلع مبارك دليل علي ان ' الشاوشيسكويين ' المصريين مازالوا مسكونين بوهم اعادة مصر الي ما قبل ١١ فبراير ٢٠١١ , وبصرف النظر عن ان المحكمة رفضت الدعوي واغلقت هذا الملف العبثي من جانبها , فان اقامة الدعوي و الاهتمام بنظرها و الاحتفاء بها اعلاميا تعد في ذاتها ملمحا من ملامح ردة ثورية تبقي جديرة بالانتباه و التامل.
ومن المدهشات و المفارقات شديدة السخرية عند المقارنة بين الحالتين الرومانية و المصرية , انه في حالة رومانيا كانت الامور واضحة واكثر اتساقا , لان نائب الديكتاتور المخلوع الذي تم اعدامه في محكمة الثورة نجح في انتزاع رئاسة البلاد بعد عام ونصف العام من الثورة , فكان طبيعيا ان يعيد ماكينة النظام السابق الذي هو جزء منه للعمل بكل طاقتها , ويخوض حرب ابادة لمن صنعوا الثورة -- اما في الحالة المصرية فتجد العجب العجاب , ذلك ان بعضا ممن حذروا مبكرا من ' رومنة ' الثورة المصرية , يساهمون , بوعي او بدون وعي , في دفع الامور الي مصير ثورة رومانيا البائس , بل ان منهم من فتح الابواب و النوافذ ولا يزال لاتباع الديكتاتور وبقايا النظام الساقط , مع منحهم لقب ثوار , وتذويب الفواصل بين الثورة و الثورة المضادة.
واذا كان الموت قد غيب النائب الاول لمبارك , فان نائبه الثاني لايزال حيا وفاعلا في مهربه , بل انه لا يتوقف عن التصريح و التلميح يوميا بانه علي اتصال وتنسيق مع من يفترض فيهم انهم من رموز ثورة يناير , دون ان يهتم احد بان ينظف اسمه وثوبه مما يعلق بهما من رذاذ هذه التصريحات و التلميحات.
وحين تعلم ان فيالق ' المواطنين الشرفاء ' ذلك الاختراع الروماني الذي استخدم للاجهاز علي الثوار الاصليين , باتت تمتلك الجراة لرفع صور الرئيس المخلوع في شوارع القاهرة في معية ورفقة ثوار يناير , ستدرك علي الفور انك امام ثورة تمارس فعل الانتحار بتلذذ عجيب , وكان الاطاحة برئيس منتخب لا يرضون عن ادائه صارت غاية تستحق ان تتم التضحية بالثورة ودماء شهدائها من اجلها.
لقد كان فوز محمد مرسي برئاسة مصر عنوانا لابداع شعبي مصري رفض ببسالة الخضوع و الاستسلام لفزاعات وادوات محاكاة التجربة الرومانية , واكرر ما قلته بعد دقائق من اعلان نتيجة الانتخابات ' انتصرت مصر وارتقي المصريون معارج المجد و الشرف حين اثبتوا انهم كائنات عصية علي التشويه و المحو -- لقد قاوم المصريون السيناريو الروماني واستبسلوا دفاعا عن ثورتهم وشهدائهم , وقهروا التاريخ ونظريته البائسة ' التاريخ يعيد نفسه ' .
غير انه وبكل اسف جرت في النهر مياه كثيرة دفعت قطاعا من المصريين للندم علي انتصار تاريخي حققوه , يسال عنه بالتاكيد الرئيس و الحزب الذي جاء منه , لكن ذلك لا يصلح مبررا لكي يشعل الشعب النار في ثورته , ويفكر في الارتداد الي اقبح عصور الفساد و الاستبداد.
مصر ليست رومانيا -- ولن تكون.
ليست هناك تعليقات :
إرسال تعليق