نمور مصر في ميدان التحرير معتز بالله عبد الفتاح


اعجبني التشبيه الذي استخدمه توماس فريدمان في لقائه مع لميس الحديدي بالامس القريب. قال رايت في ميدان التحرير نمرا خرج من القفص بعد سنوات طويلة داخله وله ثلاث صفات : اولا , انه لن يعود الي القفص بعد ان تحرر , ثانيا , انه لن يسمح لاحد ان يمتطيه سواء كانوا ' اخوان ' وسلفيين او غيرهم , ثالثا , انه لا ياكل سوي اللحم رغم انه ظل لاكثر من خمسين عاما ياكل طعام الهرر و الكلاب.

واضيف رابعا انه تحول مع مرور الوقت الي عدة نمور في حالة شقاق وربما صراع في ما بينها. واضيف خامسا انه ادمن قول ' لا ' ورفض البدائل التي يمكن ان تحقق اهداف الثورة ما لم تكن تتفق بشكل مباشر مع طريقته في التفكير. وكان ' لا ' هي الثورية و ' نعم ' هي الرجعية. واتذكر في هذا المقام حوارا دار بين نيلسون مانديلا واحد مساعديه حول المطالب ' المجحفة ' لقبائل الزولو من وجهة نظر المساعد ووصفه اياها بانها ' استعمار جديد لقبائل الانكاسا ' وقبائل الانكاسا هي القبائل الاكبر في جنوب افريقيا و التي ينتمي اليها نيلسون مانديلا , فكان رد نيلسون مانديلا : ' الكبير يعرف متي يقول نعم ومتي يقول لا , لانه في النهاية هو صاحب القرار , اما الصغير فلا يملك الا ان يعاندك. انهم يريدونني ان اقول لا لمطالبهم , ولكنهم سيفاجاون بانني ساوافق وساجبرهم علي العمل سويا ' .

هذه هي الثقة بالنفس التي تاتي من اهل الحكمة و المهارة وسعة الافق و القدرة علي المراوغة , وهي ذاتها ما نفتقده في مصر. نحن ندمن التشدد تحت مسميات مختلفة وكان الرفق في بعض المواضع ' خيبة ' او ' ضعف ' او ' تلون ' او اي فوضي لُغوية ممن يجيدها هؤلاء , ولو صح هذا لما هادن النبي محمد , صلي الله عليه وسلم احيانا , وحارب احيانا نفس الناس. لكن من الذي قال اننا اتباع محمد او حتي نقترب من تفكيره؟ بلدنا ينهار ونحن نتنابذ بالالقاب. وخير عقوبة لنا ان نظل علي ما نحن فيه الي ان ينهار كل شيء ويظل الاغبياء و الحمقي يبحثون في سجل الطرف الآخر عن السلبيات و الهنّات لنشفي غليلنا ونثبت انهم شريرون ونحن عظماء. وهذا هو جوهر ما قاله الدكتور فؤاد زكريا وهو يحلل العقلية المصرية , بل العربية : ' انها عقلية تسعي لتسجيل المواقف اكثر من سعيها لايجاد الحلول العملية للمشاكل ' .

اعود الي تشبيه الثورة باطلاق النمر من محبسه , هو تشبيه يحمل دلالة حقيقية. ولكن هذا النمر , لو اراد ان يكون طاقة عمل وبناء ونهضة , فعليه ان يتعلم معني تحويل طاقة الهدم الي طاقة عمل. دولة مثل كوريا الجنوبية شهدت احتجاجات طلابية كثيفة افضت الي التحول الديمقراطي , ودولة مثل البرازيل شهدت احتجاجات عمالية افضت الي التحول الديمقراطي في الثمانينات وفعلوا بعضا مما نفعل. ولكن لا بد في مرحلة ما ان نتحول من حالة ' الرومانسية الثورية ' بكل ما فيها من احتجاجات غير سلمية وقطع طرق وغيرها الي مرحلة ' الواقعية الثورية ' : المزيد من الاحتجاجات السلمية وقطع الطرق والقاء الطوب و المولوتوف لن يحل مشاكل مصر. نحن نريد سياحة من الخارج , ومستثمرين مصريين وعربا واجانب , ودولة لديها خطة استثمارية في مجالات بعينها حتي تستطيع تلبية احتياجات العمال و الموظفين و الزيادة السكانية التي ستجعل عدد سكان مصر ضعف ما هي عليه الآن خلال 35 سنة.

باحتجاجنا غير السلمي علي سوء اوضاعنا الاقتصادية نحن نجعل الاوضاع الاقتصادية تزداد سوءا. اول ما جاءت الثلاجات الي جزيرة العرب كانوا يفتحون الثلاجة كل دقيقة للاطمئنان علي قدرتها علي التبريد. وطبعا مع كل مرة تفتح الثلاجة تفقد شيئا من قدرتها علي التبريد . فبدا وكانها لا تعمل. لكن الحقيقة المشكلة كانت في ' سوء الاستعمال ' .

بعضنا يحتج بشكل غير سلمي دفاعا عن حقه في حياة افضل , ولكنه لا يعرف انه بذلك يجعل حياته وحياة آخرين اسوا .

النمر المصري قوي وشاب وواعد , ولكنه بحاجة لترشيد حتي يتحول من طاقة هدم الي طاقة بناء. المهارة ليست في رفض كل البدائل المتاحة , فهذا يجيده كل شخص. المهارة في صناعة بدائل جديدة او التوفيق بين البدائل المتعارضة وصولا الي الهدف الاكبر .

ليست هناك تعليقات :