حرب المياه بين مصر و اثيوبيا : الخيارات الدبلوماسية و العسكرية المتاحة لمواجهة خطر الجوع و العطش


لم يكن اعلان اثيوبيا عن بدء تحويل مجري النيل الازرق في اطار مشروع سد النهضة سوي نتيجة منطقية لسنوات من الحرب الباردة . حيث سبق ان اصدرت مؤسسة ' ستراتفور ' _وهي شركة استخبارات امريكية خاصة_ في اكتوبر الماضي تقريرا تؤكد فيه ان مصر تواجه خطر ' وجود ' اذا تمكنت اثيوبيا من بناء ' سد النهضة ' .

الخلاف بين القاهرة واديس ابابا حول مياه النيل عميق جدا , و ' سد الالفية ' او النهضة _الذي ما زال تحت الانشاء_ يجسد هذا الخلاف بين دولتين , احداهما تري ان السد مسالة حياة او موت لمستقبلها و الثانية تراه ' خطر وجود ' علي شعبها , اديس ابابا تعتبر سد النهضة بوابة عبور للمستقبل , وتدعي انه ضروري لاحتياجاتها من الكهرباء . ف ' النهضة ' _الذي سيصبح واحدا من اكبر 10 سدود في العالم_ سيكون قادرا علي توليد 6000 ميجاوات من الكهرباء , اي نحو 3 اضعاف انتاج سد ' هوفر ' العملاق في الولايات المتحدة. هذه الطاقة الضخمة ستمكنها من التوسع _كما تقول_ في مشاريع زراعية طموحة , وزيادة انتاجها من الكهرباء لبيعها لجيرانها كينيا و السودان وجنوب السودان وجيبوتي , التي تعاني جميعها فقرا كهربائيا مزمنا. اضف الي كل ذلك ان السد سيعزز من اهمية اثيوبيا سياسيا ويعطيها اداة استراتيجية مهمة لمواجهة الهيمنة المصرية علي حوض النهر , وليس من الواضح حتي الآن كيف سوف يتم تمويل السد , بعد ان تكاتفت القاهرة و الخرطوم لاثناء المستثمرين الدوليين عن اي محاولة لتمويل السد , خاصة ان عملية البناء تحتاج الي 5 مليارات دولار , وهو ما يعادل تقريبا ميزانية اثيوبيا السنوية.

وطبقا لمؤسسة ' ستراتفور ' فان امام مصر 3 خيارات لوقف بناء السد , اولها : مواصلة الضغط الدبلوماسي علي اديس ابابا , وتستند مصر في هذا الاتجاه الي ادوات متعددة , منها الشرعية الدولية . فبناء السد غير قانوني وفقا لاحكام اتفاقية عام 1959 واتفاق عام 2010. وقد بادرت مصر بالفعل بالضغط علي الهيئات التشريعية في هذه الدول لتاخير او منع التصديق علي الاتفاقية.

وتضيف ' ستراتفور ' : ' واذا فشلت هذه الجهود , فالخيار الثاني للقاهرة هو تنشيط ودعم جماعات مسلحة لشن حرب بالوكالة علي الحكومة الاثيوبية , ولن تكون هذه الخطوة جديدة علي مصر . ففي السبعينات و الثمانينات , استضافت مصر _وهو ما فعلته السودان لاحقا_ جماعات مسلحة معارضة لاديس ابابا , ومن بينها الجبهة الشعبية لتحرير اريتريا التي انفصلت عن اثيوبيا في عام 1994 بدعم مصري , بالاضافة الي ان مصر تستطيع دعم هذه الجماعات المسلحة مرة اخري للضغط علي الحكومة الاثيوبية الاستبدادية و المقسمة عرقيا , وهناك ما لا يقل عن 12 جماعة مسلحة منتشرة في انحاء اثيوبيا وتعمل علي قلب نظام الحكم او اقامة مناطق مستقلة.

وطبقا لموقع Awramba times _وهو موقع اثيوبي امريكي يحرره الصحفي الاثيوبي المنفي داويت كيبيدي , الفائز بجائزة حرية الصحافة الدولية من لجنة حماية الصحفيين لعام 2010_ فانه يمكن لمصر الاستعانة بحلفائها في اريتريا لزعزعة استقرار اثيوبيا , ويبدو ان ذلك هو السيناريو الذي بدا بالفعل . فقد اعلنت اثيوبيا مؤخرا انها ضبطت 500 قطعة سلاح وكميات كبيرة من الذخيرة اثناء محاولة تهريبها الي داخل البلاد من السودان , وجاءت هذا الواقعة بعد شهر واحد من اعلان 6 جماعات اثيوبية معارضة في المنفي تشكيل حركات مسلحة ضد الحكومة , وحسب موقع ' افريقيا ريفيو ' فان اثيوبيا قد تكون الآن في طريقها لحرب اهلية بتحريض وتمويل من مصر.

ويدعم الموقع تحليله بالايحاء بتورط دول خارجية , ومنها مصر , في دعم الفكر الجهادي الوهابي داخل اثيوبيا المسيحية. وفي نوفمبر 2011 , اكتشفت الحكومة الاثيوبية خططا من قِبل مجموعات تنتمي للفكر الوهابي لتحويل اثيوبيا الي دولة اسلامية تحكمها الشريعة , وفي مؤتمر صحفي اعربت حكومة اديس ابابا عن قلقها ازاء تزايد حالات العنف ضد المسلمين المعتدلين و المسيحيين من قبل هذه الجماعات المتطرفة , وفي 20 اغسطس الماضي توفي رئيس الوزراء الاثيوبي ميليس زيناوي فجاة , وخلفه سياسي قليل الخبرة وينتمي للاقلية البروتستانتية , كما يتردد حديث عن صراع محتمل علي السلطة , ويختتم الموقع تقريره بان مصر المهددة بفقدان سيطرتها علي سر وجودها وشريان حياتها , قد تسعي لاسقاط النظام في اثيوبيا معتمدة علي ' معدات عسكرية امريكية تقدَّر بعشرات المليارات من الدولارات , ولديها جماعات عميلة تحظي بدعم محلي داخل اثيوبيا وعلي حدودها ' .

اما الخيار الثالث _حسب تصور ' ستراتفور ' _ فهو التدخل العسكري المباشر الذي قد تلجا اليه القاهرة في حالة نجاح اثيوبيا في بناء السد وتاثرت حصتها بالفعل وبشكل كبير , ومهما كانت توجهات القيادة المصرية او شخص الرئيس المصري وقتها فلن يتسامح اي زعيم مصري في ضياع جزء كبير من حصتها المائية.

كان موقع ' ويكيليكس ' قد سرب عدة رسائل الكترونية _سُرقت من مقر ' ستراتفور ' _ تشير جميعا الي ان ' مبارك ' كان يدرس بالفعل اللجوء للخيار العسكري في 2010 بالتعاون مع السودان ضد اثيوبيا في عام 2010 . ففي رسالة الكترونية تعود الي 1 يونيو 2010 منسوبة لمصدر امني رفيع المستوي كان علي اتصال مباشر ب ' مبارك ' وعمر سليمان يقول : ' الدولة الوحيدة التي لا تتعاون هي اثيوبيا , نحن مستمرون في التفاوض معهم , وبالوسائل الدبلوماسية , وبالفعل نحن نناقش التعاون العسكري مع السودان , لكن اذا وصل الامر الي ازمة , فسنقوم ببساطة بارسال طائرة لقصف السد و العودة في نفس اليوم , او يمكننا ان نرسل قواتنا الخاصة لتخريب السد , وتذكروا ما فعلته مصر في اواخر السبعينات , اعتقد ان ذلك كان في عام 1976 , وقتها كانت اثيوبيا تحاول بناء سد كبير فقمنا بتفجير المعدات وهي في عرض البحر في طريقها الي اثيوبيا ' .

وفي برقية اخري تعود الي 29 يوليو 2010 , قال سفير مصر في لبنان وقتها : ' ان مصر وقادة جنوب السودان _التي كانت في طريقها للاستقلال_ قد اتفقوا علي تطوير علاقات استراتيجية بين البلدين , بما في ذلك تدريب جيش جنوب السودان ' . واضاف : ' ان آفاق التعاون بين البلدين لا حدود لها . لان الجنوب يحتاج الي كل شيء ' . وتكشف برقية ثالثة , بتاريخ 26 مايو 2010 , عن ان ' الرئيس السوداني عمر البشير وافق للمصريين علي بناء قاعدة جوية صغيرة في منطقة كوستا لاستضافة قوات خاصة مصرية قد يتم ارسالها لتدمير السد علي النهر الازرق ' .

وفي ابريل الماضي , اكد الباحث الاسرائيلي آرنون سوفر , استاذ الجغرافيا وعلوم البيئة بجامعة حيفا رئيس مركز الابحاث الجغرافية الاستراتيجية : ' كجغرافي وباحث في علوم البيئة و الموارد المائية تحديدا , اقول : انه من الواضح تماما ان هناك صراعا مائيا سيندلع في الشرق الاوسط ' . واضافت ' تايمز اوف اسرائيل ' : ' وكدليل علي ان ذلك التحول بدا بالفعل , اشار ' سوفر ' الي منطقة ابوسمبل القريبة من السودان . حيث حوّلت السلطات المصرية احد المطارات المدنية هناك الي مطار عسكري.

ليست هناك تعليقات :