مصطفى النجار يكتب عن سوريا و انتحار الانسانية


هنا وحدي لم يات معي احد من اسرتي فقد مات اخوتي الثلاثة في قصف استهدف بيتنا اما ابي وامي فقد بترت اطرافهما ولم يستطيعا ان يخرجا مع من نزحوا الي المخيمات وطلبوا من جيراننا ان اخرج معهم للمخيم حتي لا اموت في قصف جديد , رفضت ان اترك ابي وامي ولكن اقسم عليّ ابي وقال : اذا مات كل اولادي فلتبق انت حتي تكبر وتقاتل من اجل الحرية , ودعت ابي وامي ونزحت مع جيراننا الي هذا المخيم ومازلت انتظر ان اعود اليهم او ياتوا لي ولكن الطريق لبلدتنا كله موت والغام وقصف!

هكذا قال لنا محمد وهو طفل سوري في التاسعة من عمره يعيش في احد مخيمات اللاجئين داخل سوريا , لم يبك او يهتز وهو يروي لنا ماساة عائلته وودعنا بثبات عجيب قائلا بابتسامة صادقة : بكره بتتحسن الظروف.

في ازمنة الحروب حين يفر بعض المدنيون بعيدا عن اماكن الحرب تتوفر لهم الحماية و الحصانة ولا يقوم اي طرف محارب بالتعرض لهم ولكن نظام بشار لا يعرف شيئا عن هذه الحقوق فقصف المخيمات و الاماكن الآمنة مستمر , وسيسجل التاريخ ان هذا الطاغية قد استخدم صواريخ سكود و القصف الجوي و المدفعية لعقاب شعبه الذي خرج سلميا في البداية يطالب بالحرية واقامة دولة ديمقراطية يحترم فيها الانسان مثل بقية شعوب الارض.

_ _ _

في مخيم قاح بريف ادلب حدثنا ضابط طيار انشق عن الجيش النظامي رافضا تلك المجازر التي يمارسها ضد شعبه , نزح مع اسرته المكونة من 8 افراد وقال لنا : لم استطع ان اقتل اهلي وشعبي وتركت كل المميزات المادية التي كان يمنحها لنا النظام وجئت مع عائلتي الي هنا هربا من الموت وبحثا عن الحياة , لكن يبدو ان الموت يطاردنا في كل مكان فحتي الآن لم نستطع الحصول علي خيمة للايواء ونفترش الارض علي قمة هذا الجبل وننام في العراء لتلدغنا الافاعي و العقارب لنموت , اما من استطاعوا الحصول علي خيمة فانهم ايضا يموتون من شدة الحرارة داخل هذه الخيام بالاضافة الي ما ترونه من كارثة بيئية وصحية بسبب عدم وجود نظام للصرف الصحي حيث تمر بين الخيام مخلفات الصرف الصحي وتتراكم عليها الحشرات التي ادت الي ظهور امراض جلدية وحساسية في الصدر مع عدم وجود اي خدمات صحية , هربنا من موت الي موت ولكنه قدرنا.

في نفس المخيم قالت لي الطفلة ' وئام ' وهي طفلة جميلة في العاشرة من عمرها نحن لا نحصل الا علي وجبة واحدة فقط يوميا هي وجبة افطار مكونة من رغيف وقطعة جبن وقطعة حلاوة صغيرة وليس لنا دخل نشتري به الطعام من خارج المخيم فقد استشهد ابي اثناء القصف ورحلت بنا امي الي هذا المخيم انا واخواتي الاربعة ولم نستطع ان نخرج الي تركيا او مصر كما ذهب غيرنا لاننا لا نمتلك مالا يكفي للسفر , ارجوكم ساعدونا في ان نكمل تعليمنا , انا عايزه اكون طبيبة واركب ايدي وارجل لكل الاطفال الذين فقدوا اطرافهم بسبب القصف و الصواريخ!!

في ريف حلب قابلنا الطفل سلطان ذا الخمس سنوات الذي اصابته شظايا من القصف الجوي ادت الي بتر ساقه بالكامل ومنطقة جهازه التناسلي فصار قعيدا علي كرسي واضطر الاطباء الي عمل فتحة مؤقتة في جسده ليستطيع اخراج البول منها كي لا يموت من الاحتباس , يمشي و الد سلطان به علي كرسيه المتحرك ويتجول به حول المستشفي الذي يقيم فيه ويقول له : هذه اشجار الزيتون التي يحرقونها ستشفي وتعود اليك قدمك وستزرع هذه الارض من جديد.

ماساة سلطان ليست في اصابته فقط واحتياجه للسفر خارج سوريا للعلاج ولكن في عدم قدرة و الده علي الخروج من سوريا لفقر الحال وقصر اليد وكذلك عدم وجود جواز سفر لديه مع رفض النظام السوري عمل اي جواز سفر جديد للمواطنين السوريين ويبقي سلطان شامخا لم يكسره ما اصابه.

_ _ _

قد تسمع وقد تقرا عن حادثة ما وظروف ما وقد تكون حولها وجهة نظر معينة , لكن ليس من راي كمن سمع , تنام قرير العين بين ابنائك تشعر بالامان وهم ينامون وينتظرون الموت في كل لحظة , لا يعرفون متي يتوقف القتل ولكن الذي يعرفونه انهم لن يستسلموا مهما كان الثمن فليس لديهم ما يخسرونه.

في مخيم اطمة امسك بيدي الطفل محمود ذو الست سنوات وقال لي : تعال معي انا ساريك المخيم , انا القائد , قلت له انت القائد وتجول بي وهو يمسك يدي وعندما اقترب منا طفل آخر يطلب المساعدة من هؤلاء الغرباء الذين جاءوا لزيارة المخيم نهره محمود وقال له : امشي هذا عيب السوريون لا يتسولون من احد , ربت علي كتفه وقبلت راسه وقلت في قرارة نفسي : لن يهزم شعب هؤلاء هم اطفاله.

كل ما عرفته قبل ذلك عن الوضع في سوريا يحتاج الي اعادة نظر فما يصل الينا ليس صحيحا في مجمله وصراعات السياسة توجه ادواتها الاعلامية لتزييف الحقيقة لاغراضها التي قد تكون غير اخلاقية.

اضبط بوصلتك من الآن لتقترب من الواقع مجردا بلا مبالغة او توجيه او انحياز ومهما كانت تداعيات السياسة وتاثيراتها فالبعد الانساني يتسامي فوق كل اعتبار واذا افقدك انحيازك انسانيتك فانت لا تستحق الحياة , في سوريا شعب يباد وزهور تتفتح وحلم يقاتل وامل لا يموت وفجر سياتي مهما اوصدوا في وجهه كل الابواب , ربنا موجود.

ليست هناك تعليقات :