ميزان يحقق التوازن المفقود في السياسية المصرية سيف الدين عبد الفتاح

ان الامر الاساسي الذي يمكن ان ننظم فيه المشاهد السياسية المختلفة انما يتعلق بما يمكن تسميته بصناعة التوازن السياسي , فالتوازن السياسي في هذا المقام لا بد ان يستند الي ميزان اساسي يشكل مواقف جديدة في حياتنا السياسية ويؤسس لانطلاق حالة من التدافع السياسي مقرونة بعمليات سياسية تتسم بالتنافس و القدرة علي ادارة المواقف السياسية بالفاعلية الواجبة في سياق توازن بين السلطة و المعارضة فيجتمع لها ميزان للقيم السياسية وميزان للخطاب و الاقوال وميزان للافعال , هذه الموازين هي التي يمكن ان تنتج مواقف اساسية واضحة تتسم بالثقة و الاتساق , تجعل من السياسة معاش الناس وليست قضية سلطة وتنافس عليها , فاذا تمكنت السلطة من النفوس كانت السياسة كنخر السوس.
وحينما نتحدث عن التوازن السياسي وصناعته فلا بد لتحقيق ذلك من ادوات وآليات , فلا تقتصر علي المطالبات او الممانعات ولكنها تحدث هذا التوازن في اطار صناعة متراكمة تعبر عن اقصي فاعلية تحاول ان تجسر فجوات التوازن ما بين السلطة و المعارضة , اذ تتسم من المعارضة بقدر من المبادرة و القدرة علي بناء المواقف الجادة و الفعالة لا تلك المواقف التي ترتبط بمطالبات غير مسئولة وغير مقبولة او معقولة , خصوصا في خطاب وافعال لا تملك منطقا يتسم بعضها بالمكايدة السياسية ويتسم البعض الآخر بالمراهقة السياسية , وفي هذا المقام نحاول ان نختبر مقولة صناعة التوازن السياسي وفق ميزانها الاساسي في حالتين تتخذ فيهما المعارضة مواقف ومسارات للسلوك تحتاج الي تفسير.
●●●
الحالة الاولي : حالة وزير التموين حينما يُتعامل معها كحالة انتخابية لا حالة انجازية , ولسان حال المعارضة يقول لوزير التموين يجب ان تكون فاشلا , احذر لا تقترب من الشعب ومشكلاته التي يجب ان تقوم علي حلها , عليك ان تسلك مسالك الفشل حتي لا تبلغ الاهداف ولا ترضي هذا الشعب او تحل مشكلاته , لانك في التحليل الاخير تؤثر عليه وان اي تاثير ايجابي هو مما يؤثر في نتائج الانتخابات وما يعد رشوة انتخابية لشعبك , كذلك فانك تدعو بعضا من ادواتك من حزب الحرية و العدالة يسيرون الامور وييسرون المشكلات , فينسب الفضل في حل مشكلات الناس لكم وهذا تاثير علي الحالة الانتخابية واختيار وقرار الناخب. هذا تركيب لمشهد مختل الرؤية , تعالوا نُعِدْ تركيب المشهد كحالة انجازية لا كحالة انتخابية , وزير التموين يقوم بعمل مهم في التخفيف من اعباء الناس , بعد ان ضاقت بهم وزادت عليهم المعاناة , وزارة التموين ترتبط باداء بعض خدمات الناس اليومية و المعاشية , وتحقيق الهدف الاساسي في مطالب ثورة يناير المباركة ' العيش الكريم ' , ضمن مربع الشعار العبقري عيش , كرامة انسانية , حرية , عدالة اجتماعية , العيش و الخبز و المعاش قضايا بعضها من بعض , من هنا فان الوضع الانتخابي يجب ان يكون حالة انتخابية عادلة كاملة تؤكد علي فعل التوازن السياسي وفق ميزان معلوم , يعني ان ما يفعله الوزير هو عين ما نريد , الا ان الاداء محصور في ادواتك من حزب الحرية و العدالة , دعنا ايها الوزير نشاركك في الانجاز و النجاح , افتح لنا مسالك المساهمة في خدمة الناس فتتكافا الفرصة وتتوازن الحركة ونحقق الانجاز و الهدف معا , اطلبوا ذلك واضمن لكم الاجابة و الاستجابة لو اردتم خدمة الناس في معاشهم ويتيسر الحال ويتحسن المآل ' . اما انتم اصحاب الفضائيات تخوضون معارك الشعب في اعلامكم فحسب وتتحدثون عن الشعب في مجالاتكم الافتراضية , وتنسون ان الشعب هو الحقيقة الكبري لا كيان افتراضي , هو حقيقة الناس وملح الارض من اراد خدمتهم فعنوانهم معروف , هم موجودون في كل مكان من ارض مصر يحتاجون الي كل من يعينهم , لا من يتحدث عنهم بالكلام الساكت الذي لا يؤتي اثرا , و الكلام الزاعق الصارخ الذي لا يطعم احدا , وزخرف القول الذي لا يقدم عيشا , وفائض الكلام الذي يزايد به من يزايد , و الذي يمثل ضجيجا ولا نري منه طحنا , الكلام ايسر بضاعة وآن الاوان ان يقوم جيش من الناجحين ليواجه كل مطالب هذا الشعب وتحقيق ضروراته وآماله , ان الشعب لا ياكل كلاما ولا يُطعم الفاظا , ولا يحتمل فلسفة نخبة لم تعد تجيد الا هجاء هذا الشعب تارة تعايره بفقره وتارة اخري تتهمه باميته وجهل اختياره , فماذا فعلتم او ستفعلون بفقره واميته.
اما انتم اصحاب الياقات البيضاء فتمارسون السياسة من منازلهم لا من شوارع الناس وهموم الشعب وخدمات الجماهير , ياقات بيضاء لا تريدونها تتسخ بعرق مساعدة الناس و العمل من اجل تخفيف همومهم وتيسير حاجاتهم , كلام كلام , لا ناخذ منكم سوي الكلام.
ان كنتم تريدون عملا حقيقيا يتعلق بفهم السياسة بكونها معاش الناس , هلموا الي ساحات العمل , تعالوا الي شعبكم وهمومه وقضاياه , اين انتم من الشعب؟ واين الشعب منكم؟!
ام انتم ادمنتم المعارضة و الممانعة و الامتناع و الاحتجاج -- قدموا لنا رغيفا ولا ترموا مولوتوفا قدموا لنا طعاما ولا تلقمونا حجرا.
تعالوا ننظر الي امورنا كحالة انجازية لا حالة انتخابية , فلا نقطع الطريق علي النجاح بدعوي ان ذلك يؤثر في الانتخابات , تعالوا الي اسواق الخبز و المعاش واسواق هموم الناس و العيش , فشاركوا الناس من اجل الناس , ان الناس لا تطلب من يتكلم عنهم ولكن لمن عمل لهم ومعهم.
الحالة الثانية : حالة سحب الثقة من الرئيس , انهم يهدفون الي تجميع خمسة عشر مليون توقيع من الناس لسحب الثقة من الرئيس كما يدعون , ويتابعون دعواهم من ان الانتخابات المبكرة عمل ديموقراطي تعرفه الديموقراطيات العريقة , اقوال حق يراد بها باطل , تعبر عن حالة من العشي السياسي و الحول السياسي الذي يقصد هدفا فيذهب الي طريق آخر لا يوصل الي الهدف , الانتخابات المبكرة يا سادة تكون بطلب من انتُخب , لان الانتخابات اجراءات وتوقيتات في اصلها.
●●●
ايها النخبة العاجزة بدلا من ان تجمعوا التوقيعات لسحب الثقة من الرئيس , اعملوا علي جلب الثقة فيكم من شعبكم بعملكم وجهدكم , ان نجاحكم لا يكون الا بفشل او افشال الآخرين , وبدلا من ان تجمعوا توقيعات خمسة عشر مليونا , اعملوا من اجل هؤلاء الملايين , حتي يصوت لكم الخمسة عشر مليونا في الانتخابات القادمة بالعمل الدائب و الالتحام القائم بهموم الناس وقضاياهم المعاشية و الحياتية , فتملكوا اغلبية القرار و التدبير او اكثرية بالغة التاثير , احملوا التفويض من شعبكم للعمل من اجلهم بالنيابة الفاعلة و التمثيل السياسي المؤثر في مساحات الفعل السياسي و الفاعلية , دعوكم من مسالك الخيبة و الفشل الي مسالك التاثير و الفاعلية و النجاح. اقول لكم صادقا احسموا امركم لصناعة التوازن السياسي المزروع في حياة الناس وخياراتهم واهم ادواته الانتخابات التي تحدث عناصر تمثيل حقيقية وتاثير وفاعلية. السؤال المركزي في هذه المرحلة هو كيف نصل الي نقطة التوازن التي لا تجعل الطموح السياسي المبالغ به لبعض القوي السياسية سببا في تجاهل الواقع او التعامل معه. الانتخابات يا سادة فرصتكم ان تعملوا مع الناس ومن اجل الناس , الطريق الي الشعب مالوف معروف , احزموا امركم , كونوا مع الناس يختاركم الناس , انه الميزان الاساسي في صناعة التوازن السياسي , الميزان فيه الشعب وصناعة التوازن فيه افعالكم وقدراتكم لاكتساب ثقته , من دون اخسار او خسران ومن دون جور او طغيان , ' واقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان , الا تطغوا في الميزان ' .
ليست هناك تعليقات :
إرسال تعليق