وائل قنديل يكتب : مسخرة على النيل


هذا الذي جري في قصر الاتحادية امس الاول لا ينبغي ان يمر دون مكاشفة و محاسبة احتراما لراي عام روعه ما نقلته كاميرات البث المباشر.

نحن امام خطا سياسي واعلامي جسيم , حول مجري النقاش من متون القضية الاصلية الي الفروع و الهوامش , وجعل الذين ظهروا عراة من المنطق و الجدية و الموضوعية يظهرون في ثياب الحكماء الواعظين , وفتح الباب واسعا امام تجار الافيهات و ' القلش ' لكي يضبطوا نظاراتهم السميكة وينهالوا علي رءوس الجميع بدروس في اصول الدبلوماسية , وباختصار جاءت الفرصة للراسبين في اختبار التربية الوطنية ليتباهوا بالنبوغ في التفوق في علم الكلام و السفسطة.

وبصرف النظر عما اذا كان ما شاهده الملايين عفويا ام مقصودا فانه يبقي خطا كبيرا , نزل بردا وسلاما علي المتربصين في الخارج و الداخل , واظهر النظام السياسي وكانه يمارس المزاح في وقت الجد , ناهيك عن انه وفر غطاء للذين يمرحون ويلهون علي شواطئ النضال الملوثة.

و من ذلك ان رجلا مثل عمرو حمزاوي وجد نفسه مطرودا من جنة ' الثورية الزائفة ' و من عجب ان الذين اتهموه ببيع القضية و خيانة الثورة فعلوا ذلك و هم يغطون في روث التنسيق و العناق التام مع رموز دولة الزناديد و العكاشنة -- و يدهشك في الامر هذه الصفاقة و البجاحة المتناهية في الطنين الاجوف و الثغاء المضحك باسم الثورة من الوضع جلوسا علي حجر الثورة المضادة , كتفا بكتف و زندا بزند مع فلول النظام الساقط و بقايا الحالمين بعودة المخلوع .

اننا نعيش امام حالة شديدة الوضوح من النصب السياسي و التدليس الثوري تلخصها رسالة علي بريدي الالكتروني من الاستاذ يوسف يوسف يقرا فيها ما يجري علي ضوء قضية شغلت المجتمع الامريكي قبل سنوات و جسدت فكرة قلب الحقائق و تحويل الابيض الي اسود بمنتهي الخفة و الشطارة .

ان المشهد يتطابق مع وقائع قضية ' اوجيه سيمسون ' الممثل ولاعب الكرة الامريكي الاسود الذي قام بقتل زوجته السابقة و صديقها في عام 1994. وبالرغم من وجود دلائل DNA فانه حصل علي براءة باجماع المحلفين و هو ما يمنع اعادة محاكمته .

لقد ركز فريق الدفاع الشهير جدا في قضية سيمسون علي ان الشهود عنصريون و هو ما يجعل شهادتهم محل شك , و قام فريق بدراسة حياة كل اطراف القضية و خاصة ضابط الشرطة الذي قام بجمع ادلة الجريمة من مسرح الجريمة و بيت سيمسون . و تصادف ان كان هذا الشرطي فعلا عنصريا جدا , و علي ذلك تحولت القضية من قضية قتل يصعب الدفاع عنها الي قضية عنصرية يمكن اثباتها بسهولة .

و بالفعل شيء من ذلك يحدث في مصر , من خلال فريق ضخم من لاعبي السيرك الاعلامي و السياسي يعبثون باخطر القضايا و اكبرها , و يصرفون الانظار عن الجوهر و المضمون , ليغرقوا الناس في شكليات و توافه , تتحول بالالحاح المكثف الي قضية محورية , بينما تواري قضايانا الحقيقية التراب .

لكنك قبل ان تلوم خصمك لانه طعنك بالسلاح الذي اهديته اليه يجب ان تلوم نفسك اولا علي انك منحته ما يضربك به .

ليست هناك تعليقات :