أيمن الصياد يكتب خطابا للرئيس مرسي يحذره فيه من خطر قادم يهدد الوطن و الجماعة


هذا خطاب يعود تاريخه الي اكثر من ثلاثة اسابيع كاملة , عشية ان اتخذنا وعدد من زملائي قرارا بالاعلان عن ان ' لا فائدة ' من استمرارنا في الهيئة الاستشارية لرئاسة الجمهورية. ولكني ادراكا ' لدقة اللحظة ' , فضلت الا ادفع به للنشر وقتها. منتظرا ان ينتهي ' صخب ' الاستفتاء , بكل ما صاحبه من افتراء واجتراء ولا معقولية. ورغم اني كنت قد وعدت المسئولين عن هذه الجريدة بان اعطيه لهم وقتها , الا انهم مشكورون قدروا دوافعي لارجاء نشره.

سيدي الرئيس

لاسباب عدة ومفهومة , ترددت كثيرا ان اكتب اليك هذا الخطاب. كما لم تكن نيتي في البداية ان يكون مفتوحا. ولكن مياه كثيرة جرت في النهر , وكل ما فيه علي اية حال كان ان سمعته مني ' في القصر ' ان في اجتماعات موسعة او ضيقة. اما وقد كان ما كان. ولان ' الصدق منجاة ' , و الشفافية هي اساس الديمقراطية , ولان التطورات علي اية حال قد تجاوزت للاسف كل ما فيه. فلعلك تاذن لي ان اكتب اليك. وان يكون كتابي اليك ' مفتوحا ' .

سيدي الرئيس

لن نخوض في تفاصيل ليس مكانها بالتاكيد خطابا مفتوحا. فالعبرة في النهاية بالنتائج و الخواتيم. وما نراه الآن , ولعله لا يخفي علي احد , هو مزيد من الاستقطاب ومزيد من الضرر لشعبية رئيس اخترنا ان نقف بجانبه ونؤيده في مواجهة نظام لم نكن نريد له ان يعود.

واذ نعترف اننا فشلنا , لاسباب باتت مفهومة وواضحة في جسر فجوة تزداد يوما بعد يوم بين جماعة الرئيس ' ومناصريهم ' من ناحية وبين سائر اطياف الوطن , سياسية ودينية من ناحية اخري. نجد ان لا جدوي من وجودنا.

واذ ندرك ويدرك الجميع اسباب استقطاب حاد بات يضرب اطناب الوطن , ويهدد بتفككه , نستشعر للاسف استهانة بالامر في دوائر صنع القرار. كما لا نستشعر اهتماما جديا في مساعدتنا في معالجة داء نراه لن يضرب ثورة ' كل الشعب ' في جوهرها الاصيل فقط , بل سيضرب وحدة هذا الشعب في الصميم. وهو خطر ان عجزنا بغض النظر عن الاسباب عن مقاومته , لا بد ان يكون لدينا شجاعة الاعتراف بالفشل الذي نحن متاكدون انكم تعلمون اسبابه خاصة وقد اوضحناها اكثر من مرة. مؤكدين خطورتها واكثر من مرة.

كنا الداعين لحوار , اردنا ان يكون حقيقيا وفعالا. الا انه لم ينجح لاسباب ' منهجية ' واضحة وان تجاهلناها. فالعبرة تظل دائما في حقائق الاشياء , بغض النظر عن ما نطلقه عليها من اسماء.

قلنا اننا نعرف ان هناك بالقطع مؤامرات تستهدف هذا البلد وتستهدف ثورته. وهذا ' طبيعي ' مع بلد بمثل هذا الحجم وتلك المكانة. ولكننا نعرف ايضا من ' الف باء ' السياسة. ان اول شيء يجب ان نحرص عليه عندما تكون هناك مؤامرات او تحديات هو ' وحدة الجبهة الداخلية ' . وهو الامر الذي اهدرناه يوما بعد يوم -- و التفاصيل هنا كثيرة جدا , وقديمة جدا.

سيدي الرئيس

لانك تعرفنا , اثق في انك تعرف ان خطوتنا هذه لم تكن كما يحاول البعض هنا وهناك ان يصورها انحيازا لمربع ضد آخر. بل هي في اصلها رفض لفكرة ان ' ينقسم ' البلد في النهاية الي مربعين. و الكارثة ان يكون هذا الانقسام علي الهوية.

في ' التنوع ' ثراء , هكذا نعرف. اما ' الانقسام ' فاول الطريق الي ما لا نحب او نرضي.

كان هدفنا , ولم يكن لنا هدف غيره. ان نعود بمصر الي لحظة وحدتها الحقيقية العبقرية عشية الحادي عشر من فبراير ٢٠١١ , يومها سمعت باذني مسيحيين مصريين يرددون دعاء التهجد خلف الشيخ محمد جبريل. اليوم اسمعهم يبحثون عن تاشيرة خروج بلا عودة.

سيدي الرئيس

كتبت السطر الاول في هذا الخطاب يوم خرج ' رئيس مصر ' , لا ليخاطب شعبه كله , بل ليخاطب جماعة ' نقدرها ' من جماعات الوطن حشدوا لتاييده علي باب قصر كنا نريده قصرا ' للوطن ' كله لا لجماعة مهما كان تقديرنا لها او لدورها.

وكتبت السطر الثاني في هذا الخطاب يوم دعت ' الجماعة ' في خلاف , كان ينبغي ان يظل سياسيا الي مليونية لنصرة ' شريعة الله وشرعية الرئيس ' . ولم يكن هذا الربط مما يحتمله ايماني كما افهمه.

وكتبت السطر الاخير في هذا الخطاب , يوم فشلنا ' مع زملائي ' في اقناع الجماعة علي ان تعدل عن ارسال شبابها الي حيث يمكن ان تكون هناك فرصة لاراقة الدماء , وازهاق ارواح نعلم ان هدم احجار الكعبة ' لا القصر ' حجرا حجرا اهون عند الله من ازهاقها.

سيدي الرئيس

وقفت بجانبك وبجانب جماعتك في لحظات تعرف ويعرفون كم كانت حرجة. وما كان هذا الا رفضا ' للاقصاء ' الذي بدا انكم تتعرضون له , ودفاعا عن ' حق الآخر ' وعن الديمقراطية كما افهمها , وعن ' الليبرالية ' التي سمعت من يكفرونها بالامس. وكان ذلك معلنا وصريحا وواضحا. ولان المواقف واحدة و المبادئ لا تتجزا , اقف اليوم ايضا وان علي الناحية الاخري من النهر رفضا ' للاقصاء ' الذي يتوهم البعض انه ممكن في بلد تضرب جذور حضارته في اعماق التاريخ. بل ولعل هذا يبدو غريبا قلقا علي ' مشروع ' اخشي ان جموح البعض قد يجنح به.

لا احد يجادل في شرعية الصندوق. وليس علي هذا نعترض. ولكن ما جري من تصوير الامر علي انه تصويت علي شريعة الله , بعد ان تم ربطها بشرعية الرئيس , فاعرف انك توافقني علي ان هذا ما كان ينبغي له ان يكون. مهما كانت حسابات الصناديق وتحالفاتها. وان تصوير الامر علي ان من يعترضون علي قرارات للرئيس مهما كانت ' ومهما كان ' هو اعتراض علي شريعة الله , فيه تجاوز ما بعده تجاوز. خاصة وقد كان بين المعارضين لبعض قرارات الرئيس ' فضلا عن نائبه الذي اعلن بوضوح عدم رضاه عن الاعلان الدستوري الذي ادخلنا في هذه الازمة , وكذلك القانون الذي سمي بقانون حماية الثورة ' , اسماء مثل طارق البشري ونهي الزيني وعبدالمنعم ابوالفتوح -- وغيرهم كثير. كما كان من بين من انسحب من اللجنة الاستشارية للتاسيسية اسماء مثل احمد كمال ابوالمجد وهبة رؤوف وصلاح عز -- لا نزكي علي الله احدا. ولكن وضع الامور في نصابها يظل واجبا , حين تبدو ' سكرة الصندوق ' وقد ذهبت عند البعض وقتها بما يقتضيه القول من صدق وانصاف , وما يقتضيه الفعلُ من حكمة وروية.

اقف ومتاكدٌ انك توافقني ضد ما اراه ملامح لفاشية دينية اليوم , كما وقفت معكم ضد ما بدا بوادر لفاشية عسكرية قبل اشهر.

سيدي الرئيس

انصافا , فالكل مخطئ ' لا استثني احدا ' . وان كان مما يلزم به الانصاف الاشارة الي شطط في ' بعض ' ما ذهبت اليه تصريحات لبعض رموز تحسب نفسها علي المعارضة , الا انني من الذين يعرفون بحكم مهنتي علي الاقل ان هذه طبيعة المعارضة في الدنيا كلها. وممن يعتقدون ان مسئولية ربان السفينة ' شخصا او جماعة ' تبقي دائما اكبر من مسئولية راكبيها. ثم اننا من الذين قالوا ان المعارضة ' الحقيقية ' لا ينبغي ان نراها محصورة في شخوص سياسية بعينها , بل هي تتجسد في الواقع في شارع عريض قلق , وشباب يري دماء رفاقه وقد ذهبت سدي. وان ما لهذا قام بثورته. اولئك الانقياء من شباب هذا الوطن وفتياته , و الذين كانوا في طليعة هذه الثورة ' يدا بيد ' غير منشغلين بانتماءات سياسية او دينية او بحسابات صناديق او بثارات قديمة.

ولعلي اتمني عليك وانا اعرف انك تستمع جيدا ان تسال بعض من تثق في صدق نصحهم : لماذا نخسر كل يوم عددا ممن ايدونا يوما , ان في ' فيرمونت ' او خارجه؟

سيدي الرئيس

كنت اقول دوما ان جماعة الاخوان بتاريخها الطويل , مثلها مثل الكنيسة القبطية المصرية ' رصيد ' لهذه الامة. نخسر جميعا اذا خسرناه. و الآن اخشي ان اقول اننا ربما سرنا خطواتنا الاولي في طريق هذه الخسارة.

وكنت دائما اقول واكدت عليه في اجتماعنا الاخير انني اخشي ان يكون هناك ' بجوار ' الجماعة من يجرها الي حيث لا تطيق. لا في مصر وحدها , بل في المنطقة كلها. وفي هذا حديث يطول.

وكنت دائما اقول ان اكثر ما تحتاجه الجماعة اليوم , بعد ان خرجت من ظلام ' المحظورة ' الي نور الحكم , معارضة مخلصة ' منصفة ' .

سيدي الرئيس

لست سياسيا , ولم انتم يوما الي حزب او جماعة. ولم اعمل طيلة عمري في وظيفة حكومية صغرت او كبرت. وتعلم انني اعتذرت رغم الالحاح عن قبول ما تفضلتم به يوما من رغبة كريمة بان اكون وزيرا في الحكومة. وقلت شاكرا ومقدرا انني لا اصلح لمثل هذا المنصب. فما انا الا ' صاحب راي ' , يخطئ ويصيب. ولكن تظل قيمته في استقلاله وحريته. وتشهد المراسلات المتبادلة بيني وبين فريقكم , وكذلك كل ما هو موجود من ' ارشيف ' او تسجيلات للقاءات اجريت معي , كم حاولت ان تكون المهمة الوحيدة امام هذه الهيئة الاستشارية هو المعاونة في استيفاء شروط ' التحول الديمقراطي ' , او ما تسميه كتب السياسة Transitional Justice و الذي تعلمنا قراءة التاريخ , وتجارب الدول التي مرت بظروفنا انه السبيل الوحيد لانجاح مرحلة التحول تلك. ورغم ما بدا من ان الامور لا تسير بالضبط في هذا الاتجاه , فقد استخرت الله وقتها وقررت ان اكون موجودا , في محاولة للامساك بهدفين : اولهما البحث عن طريق لعودة المصريين ' يدا واحدة ' -- واعترف بانني قد فشلت. و الثاني الدفاع عن حرية التعبير و الاعلام , بوصفها اداة لا غني عنها لتقدم الدول. وربما يشار الى الفضلاء الذين حضروا اجتماعاتنا انني لطالما قلت امامك في مواجهة الضجرين من تجاوزات هنا وهناك ان ' مشاكل الحرية و الديمقراطية , لا يعالجها الا مزيد من الحرية و الديمقراطية ' . و الآن , وانا ابتعد ربما عن دائرة التاثير المباشر في هذا الملف , واري في الافق ما يحيكه البعض , اسمح لنفسي بان ' اوصيك خيرا ' بحرية التعبير و الاعلام.

سيدي الرئيس

ابتعد وانا احتفظ لك , وباصدقاء في جماعتك بكل الود و الاحترام. ولكنك تعلم عني انني لا يمكن ان اكون منافقا او مخادعا. وللاسف بت اشعر ان بقائي قريبا فيه شبهة نفاق لك , وشبهة خداع لنفسي وللناس. وكلاهما اعلم انك لا ترتضيهما.

مؤمنون بديمقراطية ' النوافذ المفتوحة ' لا الغرف المغلقة , ومعتقدون بان ' الشخصنة ' احد امراض الفكر العربي , ومتدبرون لقولة مالك ' رض ' : ' كلٌ يُؤخَذ منه ويُرَد -- ' , قدرت لك دوما ' سعة صدرك ' وانك لم تضجر ابدا من ان اقول علي مسامعك , ما كنت اقوله خارج القصر. بل كنت دوما تحرضني علي ذلك -- فضلا عن اني لا انسي ما قلته انت في خطابك الاول مستشهدا بابي بكر -- فها نحن قد سمعنا , وها انذا قد فعلت.

وبعد -- فانني حين استشعر الخطر قادما يهدد الوطن , بل ويراه البعض يهدد ' الجماعة ' , لا يسعني الا ان ادعو الله ان اكون مخطئا.

ليست هناك تعليقات :