كيف تنجح مخارج الرئيس و قد انساق الفريق الآخر لاشعال الحريق تمهيدا لاسقاطه ؟


فهمي هويدي ... اخشي ان تكون محاولات تاجيج الحريق وتوسيع نطاقه في مصر مقدَّمة لدي البعض علي جهود حصاره واطفائه. ذلك اننا صرنا نطالع كل صباح هذه الايام اخبار الانهيار في مؤشرات البورصة , وانسحاب بعض المستثمرين وخروجهم من السوق المصرية , وتوقف بعض الصناعيين عن التصدير او صرف النظر عن اية توسعات في مشروعاتهم , كما صرنا نقرا اخبارا اخري عن الغاء حجوزات بعض الوفود السياحية ,


وعدول عدد من النجوم الاجانب عن المشاركة في مهرجان القاهرة السينمائي بحجة ان مصر صارت ' منطقة حرب ' . وذلك كله يبدو غير مستغرب حين تتناقل وكالات الانباء ومواقع التواصل الاجتماعي التهويل المفرط الذي تتسم به عناوين وتعليقات الصحف المصرية , التي تتحدث عن ثورة قادمة في الطريق , وحرب اهلية بين القوي السياسية , ودماء تسيل في الشوارع , وكان احدثها ما صرح به امس قيادي في احد الاحزاب حين قال ان الوطن سيتحول الي ' خرابة ' . وما لفت اليه العنوان الرئيسي لاحدي صحف الصباح من ان الجيش رفع درجة الاستعداد , ليس لمواجهة التصعيد الاسرائيلي , ولكن لمواجهة احتمالات تفاقم الصراع الداخلي بين الاخوة و الاعداء.

ليس ذلك فحسب , وانما ترددت اصوات اخري طالبت الرئيس محمد مرسي بالرحيل , الامر الذي يثير العديد من الاسئلة الكبيرة حول احتمالات المستقبل وتداعياته , الامر الذي لا تستغرب الظلال التي يمكن ان يلقيها علي المستقبل المنظور الاقتصادي فضلا عن السياسي.

ليست هذه اول ازمة عرفتها مصر بعد الثورة. فقد حبست مصر انفاسها في مارس 2011 خلال الصراع علي التعديلات الدستورية بين فريقي الاستفتاء اولا ام الدستور اولا. واستشعر الجميع هلعا وخوفا في يونيو من العام ذاته حين وقعت احداث محمد محمود التي قتل فيها اكثر من 40 متظاهرا واصيب ثلاثة آلاف , وخلالها فقد البعض اعينهم واصيب آخرون بالشلل الرباعي. وبدا المستقبل مظلما في شهر يونيو من العام الحالي حين اصدر المجلس العسكري بيانه الشهير الذي نصب فيه نفسه وصيا علي البلاد في استعادة لما عانت منه تركيا في ظل العسكر قبل اكثر من اربعين عاما.

هذا الذي حدث ليس فريدا في بابه , لانه من قبيل القلق و الاضطراب الذي تشهده البلدان بعد الثورات و التحولات الدرامية التي تتعرض لها. وازعم ان خصوصية الثورة المصرية ترفع من درجة استعدادها لمواجهة مثل تلك التداعيات. اعني بذلك سلمية الثورة و التزامها بتجنب العنف و اللجوء الي الاستثناء في القطيعة مع النظام السابق. ثم كون الثورة كانت شعبية بالدرجة الاولي , لا قيادة لها ولا مشروع لديها.

لقد ذكرت في مقام سابق اننا جميعا خرجنا مشوهين من تجربة النظام السابق , ليس فقط بسبب غياب الثقافة الديمقراطية لدي النشطاء السياسيين ' اتردد في استخدام مصطلح القوي السياسية لان اغلبها لم تختبر له قوة ثم اننا عرفنا لها اسماء ولم نعرف لها اوزانا بعد ' . وما لا يقل خطورة عن ذلك ان التشوه طال علاقات تلك الجماعات السياسية , التي لم يجمعها عمل مشترك وظلت غريبة عن بعضها البعض , الامر الذي غيب الثقة وفتح الابواب واسعة لاساءة الظن فيما بينها.

تهمني هذه النقطة الاخيرة لانني ازعم ان عنصري فقدان الثقة وعمق سوء الظن اسهما بقدر كبير في تعقيد الازمة التي نحن بصددها , الامر الذي جعل النخبة السياسية تفشل حتي الآن سواء في ادارة الخلاف فيما بينها او في التوصل الي حل لذلك الخلاف , وكانت النتيجة ان الوطن هو الذي دفع الثمن علي النحو الذي اشرت الي بعض تجلياته. واستحي ان اقول ان تعكير الاجواء واحتدام الصراع استخرج من البعض اسوا ما فيهم. وارجو الا يكون كثيرون قد سمعوا او شاهدوا هتافات بعض المحامين من خصوم الرئيس. كما اتمني ان ينسي كثيرون ما صدر عن رئيس نادي القضاة من آراء واوصاف في التعليق علي الحدث.

نحن امام وجهتي نظر احداهما تري في الاعلان الدستوري الذي اصدره الرئيس مرسي اخطاء قانونية جسيمة , و الثانية تري ان ثمة ضرورات سياسية فرضت اتخاذ تلك الخطوة. وما قيل في الاخطاء القانونية له وجاهته وما قيل ايضا عن المبررات السياسية لا يخلو بدوره من وجاهة. ولانه لابد للامة من مخرج فالسؤال الآن هو كيف تستعاد الثقة التي تسمح للعقلاء بالبحث عن ذلك المخرج بما يعالج الاخطاء ويحفظ للثورة استمرارها , وكيف يمكن ان ينحي جانبا المزايدون و المكابرون و الادعياء و الفلول الذين لهم أسبابهم التي تدفعهم الي رفع سقف التازيم وتفجير الموقف بالكامل.

معلوماتي ان ثمة 3 خيارات موضوعة امام الرئيس مرسي لتجاوز الموقف وتدارك ما في الاعلان الدستوري من ثغرات اساءت اليه كما اغضبت بعض القضاة واثارت مخاوف السياسيين , وانه سيحسم امره ازاءها خلال الساعات القادمة. لكن اطفاء الحريق يتطلب جهدا من آخرين من الغيورين علي الوطن و الثورة , الذين يستجيبون لنداء اطفاء الحريق وسوف تكون الازمة اشد و الكارثة اكبر اذا وجدنا ان العقلاء فقدوا رصانتهم وانساقوا وراء الاستقطاب واصبحوا جزءا من الازمة لا عنصرا في حلها .

ليست هناك تعليقات :