فهمي هويدي ... هذا الاسبوع اعلن في تركيا ان الرئيس الاسبق تورجوت اوزال مات مسموما , وان الحديث عن انه مات بازمة قلبية لم يكن صحيحا. وبهذا الاعلان فان اخصائيي الطب الشرعي حسموا لغطا وشكوكا حول ظروف وفاة الرجل استمر طوال 19 عاما. وكان الادعاء العام قد امر في الثاني من اكتوبر الماضي بفتح الضريح الذي دفن فيه اوزال , واستخراج رفاته وتحليلها , للتاكد من اسباب الوفاة. وتمت هذه الخطوة بتوجيه من الرئيس التركي عبدالله جول. وفي سياق حملة التحقيق في الانقلابات التي تمت خلال العقود الاربعة الاخيرة بملابساتها وتداعياتها , التي تتولاها لجنة برلمانية خاصة. وحين كنت في انقرة مؤخرا وتطرق الحديث الي استخراج رفات اوزال وتحليلها , قيل لي ان الهدف من التحقيق في هذه الامور لا يستهدف تصفية الحسابات بقدر ما استهدف تحري ما جري وتطهير الذاكرة التركية.
كانت تركيا قد شهدت انقلابا عسكريا في خريف عام 1980 , قاده الجنرال كنعان ايفرين رئيس القيادة العامة للجيش ' لايزال علي قيد الحياة وقد شملته التحقيقات الجارية ' . وبعد اسقاط الحكومة واعتقال اكثر من 40 الف شخص و الحكم بالاعدام علي اكثر من 600 ' نفذ منها 25 حكما فقط ' , اصدر العسكر دستورا جديدا للايحاء بانهم حريصون علي تحقيق الديمقراطية. وفي تلك الانتخابات التي تمت عام 1983 فاز تورجوت اوزال برئاسة الحكومة , وكان قد شكل حزب ' الوطن الام ' , الذي ايدته الاوساط المحافظة و الاسلامية ' كان قد سبق له ان رشح علي قائمة حزب ' السلامة ' الاسلامي عن مدينة ازمير في عام 1977 ' .
بعد انتخابه , وفي سياق استكماله لخطواته الاصلاحية اتجه اوزال الي حل المشكلة الكردية المعقدة التي استعصت علي العديد من الحكومات التركية , وكان القوميون المتطرفون ولايزالون لا يرون سوي القمع و الحرب بديلا لحلها , في هذا الصدد يشار الى الباحث الكردي هوشنك اوسي ان مبعوثي اوزال حققوا تقدما كبيرا في التفاوض مع رئيس حزب العمال الكردستاني عبدالله اوجلان , الذي كان موجودا في دمشق آنذاك. وفي يوم 17/4/1993 كان يفترض ان يتصل اوزال هاتفيا مع اوجلان لوضع اللمسات الاخيرة علي الاتفاق , وتحديد موعد الاعلان عنه في مؤتمر صحفي , لكن المفاجاة التي صدمت الجميع ' اوجلان و الكردستان وتركيا , ' انه اعلن يومذاك ان تورجوت اوزال اصيب بازمة قلبية ومات! ومنذ ذلك الحين و الشائعات تتردد في الاوساط السياسية مشككة في اسباب الوفاة , ومرجحة انه قتل ولم يمت موتة طبيعية. اخيرا في شهر يونيو من العام الحالي ' 2012 ' نشرت صحيفة ' تقويم ' التركية تصريحا للمدير السابق لمكتب اوزال اسمه فوزي ايشباشاران قال فيه ان الرجل تم اغتياله , وارجع ذلك الي ان اوزال كان قد التقي عبدالله اوجلان في شمال العراق , وانهما اتفقا حول تفاصيل خطة السلام بين الكردستاني وتركيا.
اضاف الباحث الكردي في الدراسة التي نشرتها له مجلة لوموند دبلوماتيك ' في 27/10/2012 ' انه في وقت لاحق , حين شرع نجم الدين اربكان رئيس حزب الرفاة , الذي تراس الحكومة في عام 97. في التفاهم مع حزب العمال الكردستاني , فان مبادرته تلك قمعت علي الفور. اذ قوبلت بتحرك للجيش التركي , الذي قام بانقلاب ابيض في ذلك العام , ادي الي ابعاد اربكان عن الحياة السياسية وحظر حزبه بقرار من المحكمة الدستورية العليا.
في هاتين الواقعتين ظل يشار الي مسئولية الدولة العميقة التي اخترقت مفاصل الحياة السياسية في تركيا , وهي التي ضمت عناصر القوميين و العلمانيين الغلاة الذين ادعوا الدفاع عن العلمانية و النظام الجمهوري , وتداخلوا مع شبكات مجهولة ضمت خليطا من المقامرين و المهربين و ' المافيات ' بمختلف انواعها. وقد نشطت في مجالات عدة تتراوح بين صنع السياسة ومحاربة الاتجاه الاسلامي وتجارة المخدرات.
هذه الدولة العميقة التي تشكلت خلال الاربعين سنة الماضية , وتسللت الي مختلف اجهزة ومؤسسات الدولة , خصوصا في مجالات الشرطة و الجيش وعالم المال , لم يتم القضاء عليها نهائيا حتي الآن. لكن حكومة حزب العدالة و التنمية تخوض ضدها حربا شرسة طوال السنوات العشر الاخيرة , التي فتحت فيها ملفاتها , وتتبع المحققون عناصرها خصوصا في الجيش و الامن و الاعلام. وهؤلاء جميعا يقفون امام القضاء الآن.
ما دعاني الي استعادة هذه الخلفية ليس فقط ما اعلنه معهد الطب الشرعي في اسطنبول عن نتائج فحص اطبائه لرفات تورجوت اوزال و التحقق من ان الرجل مات مسموما حقا , وانما ايضا ما لاح في الافق مؤخرا في مصر. اعني حين ضبط احد ضباط المخابرات اثناء مشاركته في المظاهرات المضادة بالاسكندرية يوم الخميس الماضي 23/11 , وتسليمه الي الشرطة في سيدي جابر. ثم اطلاق سراحه بواسطة النيابة علي الفور.
اعني ايضا ظهور مجموعات من البلطجية المسلحين بالخرطوش وقنابل المولوتوف في مظاهرات الوجه البحري. وهي قرائن لا تقطع بانها ذات صلة بالدولة العميقة , لكنها علي الاقل تثير اكثر من سؤال حول هوية المشاركين فيها. وارجو الا ننتظر عشرين عاما حتي نتعرف علي الحقيقة , كما حدث في قصة تورجوت اوزال .
ليست هناك تعليقات :
إرسال تعليق