
فهمي هويدي ... صرنا بازاء قراءتين للدستور الجديد في مصر. احداهما تراه الافضل و الاخري تراه الاسوا و الاتعس. وظاهر الامر ان كل طرف متمسك بقراءته وغير مستعد للتنازل او التراجع عن شيء منها. وهو ما يعني اننا في حقيقة الامر لسنا فقط بصدد اختلاف حول الدستور , وان تذرع البعض بذلك , لكننا ايضا ازاء صراع بين فريقين كل منهما له رؤيته الخاصة بالمستقبل التي يريد فرضها علي الآخر. وحتي الآن فشل الطرفان في ايجاد صيغة توافقية تسمح لهما بالعيش معا تحت سقف البيت الواحد.
لو كان الامر مقصورا علي صراع بين النخبة لهان , علما بان التجاذب بين الاسلاميين و العلمانيين قائم في الساحة المصرية منذ امد بعيد. وقد عبر عن نفسه في التنافس الذي عرفته مصر في بداية القرن العشرين بين دعاة الجامعة الاسلامية الذين كان من بينهم مصطفي كامل باشا ودعاة الجامعة المصرية الذين تصدرهم الدكتور احمد لطفي السيد , لكن الامر اختلف في الوضع المصري بعد ثورة 25 يناير , حين اصبح الاسلاميون في مواقع السلطة , التي ظلت حكرا علي العلمانيين علي مر الزمان. وهو ما حول التجاذب الي صراع تعددت اشكاله , ومن اسوا آثاره انه ادي الي شل حركة الحياة في مصر , واشاعة درجة عالية من الاحتقان و التوتر في المجتمع.
بطبيعة الحال لم يخل المشهد من اخطاء وقع فيها الاسلاميون , وقد اسهمت تلك الاخطاء في تعزيز مواقع المعسكر المضاد من ناحية , كما وفرت لاركان ذلك المعسكر ذرائع كانت كافية لاستمرار العراك ولاحتشاد المعارضين وتجاوزهم عن تناقضاتهم الاصلية , في الوقت ذاته فانها وفرت غطاء مناسبا للرغبة الاصيلة و الكامنة لدي البعض في اقصائهم من الحلبة , واستعادة زمام الامور مرة اخري بعدما اختلت المعادلة بسبب نتائج الانتخابات التي جاءت بالاغلبية الاسلامية الي السلطة وافقدت الاقلية سلطانها التقليدي.
حين تطور العراك واصبح ضارا بالمصلحة الوطنية جراء تاثيره السلبي علي الاوضاع الاقتصادية وتعطيله لمصالح الناس , فضلا عن شحن المجتمع بمشاعر التوتر و القلق , فان السؤال الذي اصبح واجب الطرح لم يعد من ينتصر علي من , وانما هو كيف يمكن ان نستعيد زمام المبادرة , لتمكين المجتمع من تجاوز المازق وتحريك مياهه الراكدة.
امامنا الآن طريقان , اما ان نمرر الدستور علي علاَّته وننتقل به الي مرحلة بناء مؤسسات النظام الجديد , واما ان نتخلي عن الدستور فنلغيه تماما او نجمده كما قال البعض ونبدا رحلة اعداده من الصفر. لنعيد انتخاب او تشكيل اللجنة التي ستتولي وضعه , ثم ننتظر عدة اشهر او عدة سنوات حتي تنتهي اللجنة من اعداد مشروعها. ان شئت فقل اننا بالخيار الاول ننتقل الي مرحلة بناء النظام الجديد وتدوير عجلة التنمية و الاستقرار , في حين ان الخيار الثاني يبقي الحال كما هو عليه الي ان يعاد النظر في كل الاشواط التي سبق ان قطعناها من قبل.
سافترض في هذه الحالة ان الدستور به بعض النواقض , لكن تمريره سيؤدي الي تحريك المياه الراكدة , وان اعادة النظر الشاملة فيه ستعطينا نموذجا افضل بعد عدة اشهر او سنوات , غير أنه سيبقي علي الركود و الشلل كما هو , فايهما نختار؟
اذا سلمنا بهذا التوصيف فاننا سنصبح مخيرين بين سيء واسوا , او بين العَوَر و العمي. وينبغي ان نضع في الاعتبار ان سؤالنا لا نلقيه في فراغ , وغير أنه يلقي في ظل واقع اقتصادي وسياسي مضطرب لا نملك في ظله ترف الانتظار , لان موارد البلد مثلا تنفد حينا بعد حين , الامر الذي ينذر بوقوع كارثة اذا طال الانتظار.
في هذه الحالة فان اي عقل رشيد ومسئول يقبل بالسيئ حتي لا يقع في براثن الاسوا. ذلك انه لا مشكلة في الاختيارين الجيد و الرديء او بين الابيض و الاسود , الامر الذي ازعم انه في مقدور كل احد , لكن التحدي الحقيقي يكون في الاختيار في حالة الضرورة بين شرين , واحسب ان تلك الضرورة قائمة في الوقت الراهن.
يخفف من حدة الازمة التي نواجهها ذلك الجهد التوفيقي الذي يبذل الآن لتجميع المواد المختلف عليها في الدستور , و التي قد يتفق ممثلو القوي السياسية علي ضرورة تعديلها في الدستور الجديد , تمهيدا للاستجابة لتلك الرغبة من خلال البرلمان الجديد. يشجع علي ذلك امران , احدهما حماس الرئيس مرسي ونائبه للفكرة وما قيل عن استعداد الرئيس للتوقيع علي الوثيقة التي ستضم التعديلات المقترحة وتعهده الالتزام بمضمونها. الامر الثاني ان مشروع الدستور يسَّر عملية التعديل وجعلها حقا مكفولا يمكن ان يتولي خُمس الاعضاء التقدم به و الدعوة اليه ' المادة 217 ' .
اذا كان التعديل ممكنا فان خريطة القوي السياسية لا تخلو من تعقيد. ذلك ان من المعارضين من هو مختلف مع بعض مواد الدستور وتوجهاته , وهؤلاء يمكن التفاهم معهم فيما يرتضونه ويطمئن بالهم. وهناك آخرون لهم تحفظاتهم علي سياسة الدكتور محمد مرسي التي اوقعته في اخطاء اساءت اليه وسحبت من رصيده. وهؤلاء ايضا يمكن التفاهم و التوافق معهم استنادا الي موضوعية تحفظاتهم. لكن هناك فريقا ثالثا لا ينصب اعتراضه علي الدستور او علي سياسة الدكتور مرسي , ولكن اعتراضه الحقيقي منصب علي مبدا وجود الدكتور مرسي وما يمثله في السلطة. وقد ذكرت توا ان هؤلاء يغطون موقفهم بالحديث عن نواقص الدستور واخطاء الرئيس. لذلك فانهم سيظلون منحازين للخيار الاسوا , حتي تغرق السفينة باهلها او ينهدم المعبد علي من فيه.
ان وسائل الخروج من المازق متاحة بدرجة او باخري , لكن المشكلة في توافر الارادة المخلصة اللازمة لبلوغ ذلك الهدف , التي تقدم مصلحة الوطن علي مصالح المتعاركين. وهو اختبار لا تسرنا نتائجه التي ظهرت حتي الآن.
ليست هناك تعليقات :
إرسال تعليق