ومازلت غير مصدق ان مباراة لكرة القدم يمكن ان تسفر عن قتل ذلك العدد من المشجعين , وان الحكم باعدام 21 من الجناة يمكن ينتهي باضافة نحو 40 قتيلا آخرين , سقطوا اثناء الاشتباكات التي جرت في المدينة اثناء محاولة اخراج بقية المتهمين من خلال اقتحام سجن المدينة.
افهم ان الذين اثاروا الشغب واستسلموا للغضب هم بعض ابناء بورسعيد وليس كلهم , وان الجميع دفع ثمن ممارسات الاقلية. كما يعلم كثيرون ان بورسعيد ليست مدينة عادية , ليس فقط لان لها تاريخها المشرف في النضال الوطني المصري خصوصا في اثناء عدوان 1956 ولكن ايضا لانها تمثل اهمية خاصة بالنسبة لقناة السويس فضلا عن اهميتها الاقتصادية باعتبارها منطقة حرة.
افهم ايضا ان تكون التداعيات العبثية التي شهدتها المدينة قد تاثرت بما يجري في انحاء مصر هذه الايام , من انفلات سلح البعض بجراة علي القانون وعلي المنشآت العامة بل وعلي اجهزة الامن ذاتها , الامر الذي وضع البلد علي عتبات مرحلة من الفوضي التي تبدو وكانها مقصودة ومنظمة ليكون لها ما بعدها.
لابد ان يدهشنا اننا لم نسمع صوتا للعقلاء في بورسعيد , وارجو الا يكون ذلك الصمت راجعا الي التخوف من عاقبة ذلك واصدائه في اجواء الغضب المجنون. وان جاز لنا ان نعذر هؤلاء فان سكوت السلطة في القاهرة واكتفاءها بالمناشدات وبيانات التحذير او رسائل العزاء لاهالي الضحايا , يبدو امرا غير مفهوم , ذلك انها تملك من الخيارات و الوسائل ما يمكنها من اعادة الهدوء الي المدينة واستعادة هيبة الدولة و القانون في ربوعها. وقد استوقفني في البيان الذي صدر عن مجلس الدفاع الوطني ' يوم السبت 26/1 ' نقطة تحدثت عن حق السلطات المحلية في اعلان الطوارئ في اي منطقة يتهدد فيها الاستقرار وينتهك فيها القانون -- ووجدت ان ما يحدث في بورسعيد خصوصا , وربما في السويس ايضا ما يسوغ اعلان حالة الطوارئ وحظر التجول. لذلك فقد استغربت التصريح الذي نقل علي لسان الناطق باسم رئاسة الجمهورية الدكتور ياسر علي الذي نفي فيه الاتجاه الي اعلان الطوارئ في بورسعيد , وكان ولايزال السؤال الذي خطر لي وقتذاك هو : اليست هذه هي الطوارئ التي من اجلها صدر القانون؟ , ويبدو ان ذلك ليس رايي وحدي , فقد سمعت مثله من آخرين , وكان الدكتور محمد البلتاجي القيادي في حزب الحرية و العدالة احد الذين طالبوا باعلان الطوارئ في بورسعيد , ووجه كلامه الي الرئيس مرسي من خلال موقعه علي الانترنت قائلا ان الله سوف يحاسبه لو انه تقاعس في ذلك.
موقف قيادات المعارضة و المنابر الاعلامية المعبرة عنها و المنحازة اليها كان مخجلا ومشينا. ذلك انها اعتبرت ان انفجار الغضب في بورسعيد وتداعيات الفوضي في انحاء مصر بمثابة فرصة لابتزاز الرئيس مرسي و الضغط عليه , من خلال رفع سقف المطالبات و الدعوة الي استمرار الاعتصام في ميدان التحرير حتي تتم الاستجابة لتلك المطالبات , وقد لخصها بيان ظهر علي الانترنت باسم جبهة الانقاذ دعا الي ' اسقاط كافة الاوضاع القائمة السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية ' . ودعا بيان آخر باسم الجبهة الوطنية للتغيير الي تغيير الحكومة ووقف العمل بالدستور وتشكيل لجنة تاسيسية جديدة لوضع دستور جديد , وحل مجلس الشوري و الدعوة الي انتخابات رئاسية مبكرة -- ومطلوب من المتظاهرين ان يظلوا معتصمين بالميدان ' لعدة سنوات! ' حتي يتحقق المراد!
ليس ذلك فحسب , بل ان بعض تلك الاحزاب احتفت بمظاهر التخريب التي حدثت , و التي تمت في ظل المظاهرات ' السلمية ' , حتي وجدنا تقريرا اعدته غرفة عمليات الانقاذ الوطني. اعتبر خلع قضبان السكة الحديد في ثلاث محافظات ووقف القطارات المتجهة من القاهرة الي اسوان من ' انجازات ' الاحتفال بذكري الثورة , الامر الذي يعني ان احزاب المعارضة وفرت غطاء سياسيا تسترت من خلاله علي عمليات التخريب و الفوضي التي شهدتها البلاد.
لست ادعو الي التشاؤم مما يحدث , ولكنني ارجو ان نري الوقائع علي حقيقتها بغير تلوين او تدليس , لندرك ان البلوي اوسع واعم مما نظن. وهو المعني الذي يعبر عنه بشكل ادق المثل العامي الذي يقول : ليس اسخم من ستي الا سيدي .
ليست هناك تعليقات :
إرسال تعليق