جمال نصار ... رحم الله الامام الشيخ محمد متولي الشعراوي الذي كان صاحب راي ثاقب , ورؤية صحيحة حينما قال : ' الثائر الحق هو الذي يثور ليهدم الفساد ثم يهدا ليبني الامجاد ' , فالرجل لم يكن يمتلك زمام العلم و التفقه في الدين فقط , لكنه امتلك معهما بصيرة وقلبا نورانيا جعله يري ببصيرته ما لم تره عيناه , وما يتخطي حدود بصره وزمنه وحياته. نستمع الي كلماته التي قالها منذ سنوات طويلة فنراها تجسد الواقع الحالي , وتصفه , وتحدد ازماته , وتجد حلولا لها , و التي عاد اليها الجميع ليستمع الي حكمة عالم الامة الجليل الذي كان يري بنور قلبه , ويربط الدين بالدنيا , و يستقرئ بعلمه وفقهه ونور قلبه الاحداث و الازمات , فتجد كلماته صالحة لكل زمان و مكان .
و لكننا نري في هذه المرحلة , بعد مرور ما يقرب من عامين علي الثورة المصرية , اننا ما زلنا نعيش حالة من التخبط و التشرذم , وعدم التركيز علي البناء و التنمية , خصوصا في المجال الاعلامي , مع العلم ان الثورة التي ضحي من اجلها الشباب الطاهر لن تكتمل اهدافها التي قامت من اجلها الا بتوحيد الرؤية , ورسم خريطة واضحة للمستقبل يشارك فيها الجميع دون اقصاء لاحد او تهميشه.
ومن ثمَّ علينا جميعا الحرص علي عدم استعمال الجمل المثيرة و النارية التي تثير الآخرين , و العمل علي تنمية الانتماء الوطني , لكي تكون مصر قبل كل شيء , و التفاني في العمل لصالحها , و البعد عن الاهواء الشخصية و الانتماءات الخفية و الشللية لصالح بعض الشخصيات او الجهات , بالاضافة الي ابراز الطريق السليم لخدمة الوطن , علي ان تذكر الحقائق بدون تعقيب يثير الجماهير.
والشفافية وذكر الحقائق في هذه المرحلة يُعدّان امرين ضروريين , حتي تقوم اجهزة الاعلام بدورها نحو المواطن. ولابد لاجهزة الاعلام ان تفسح المجال لمشاركة اوسع للجماهير , ولابد ان يراعي الخطاب الاعلامي الصالح العام للمجتمع قبل كل شيء , وان يكون متوازنا يناقش الايجابيات و السلبيات معا.
ويحتاج الاعلام في هذه المرحلة الي ان يسمو بالعقل , ويرتفع بالذوق العام , ويبتعد عن كل ما هو هابط وضعيف وسطحي , وان تحكم العمل الاعلامي خطة اعلامية محددة , حتي لا يحدث تخبط في الخطاب الاعلامي , ولا خوف علي الجماهير او سلوكياتها اذا كانت علي علم بحقائق الامور , لان هذا افضل من ان تُقدّم للجمهور انصاف الحقائق او حقائق مشوهة. واذا كان هناك بعض المعلومات التي يؤدي نشرها الي الاثارة , وتاجيج الراي العام يمكن تاجيلها في هذه الحالة ونشرها في مرحلة قادمة , وذلك حفاظا علي الراي العام وتماسك المجتمع .
فالاعلام رسالة تنويرية يرتبط به المتلقي بقصد استجلاء الحقيقة , ولو خرج عن هذا الخط يكون كمن يحرث في بحر , وكل انسان لديه شغف شديد لان يعرف ويظل يلهث وراء القنوات و المحطات و الجرائد بحثا عمَّا يريد. وفي هذا السياق نجد ان البعض يخرج عن اطار المعرفة , ويقوم بالاثارة و الزج بمعلومات ليس بالضرورة انها من مصادر ثقة , لكن بقصد التسابق وايجاد مكان لانفسهم عند المواطن , وهنا يبرز دور الاعلام في توخي الحذر و الدقة و الموضوعية , وعدم الانزلاق في تيار الاثارة , فالراي العام في هذه اللحظة ملتهب بطبيعته بعد ان خرج من جمود الاعوام الثلاثين.
و ما يعنيني هنا هو ان نسير في الاتجاه الصحيح , و بناء الدولة بما ينسجم مع تطلعات الناس في الحد المقبول .
ليست هناك تعليقات :
إرسال تعليق