لنبتعد قليلا فقد تكون الصورة اوضح -- كان هذا ما فكرت فيه في الطائرة التي اقلتني الي الكويت ملبيا دعوة كريمة من المجلس الوطني للثقافة و الفنون و الآداب لاشترك مع مجموعة مهمة من مثقفي هذا الوطن المهموم بتحولاته في مناقشة تداعيات -- او ان شئت العنوان الذي اختاره المنظمون ' ارتدادات الربيع العربي ' . متخذين من ذكري مرور عامين علي ' البداية التونسية ' للتحولات مناسبة لمناقشة ' اكثر هدوءا ' لما جري , ومحاولة اكثر جراة للاجابة عن السؤال الاهم : الي اين -- ؟ ولم تكن مجرد مصادفة ان السؤال ذاته كان قد تردد علي لسان كل من استوقفني , ان في مطار القاهرة او ديوانيات الكويت , وتحديدا عن مصر التي يعتبر الجميع ان ما سيحدث فيها اما سياخذ المنطقة كلها الي الامام حيث آفاق الديموقراطية ' الحقيقية ' , او سيرجع بها مئات السنين الي الوراء حيث تغرق في جُب التاريخ متعثرة بحقائق الجغرافيا.
ارشاد هورموزلو المستشار الاول لرئيس الجمهورية التركي ' وهو مثقف متميز يجيد العربية كاهلها ' كان حاضرا بشخصه. وكان طبيعيا ان يستدعي حضوره الي الاذهان حضورا تركيا يراه البعض او يخطط له آخرون في معادلات ما بعد الربيع. وكان طبيعيا عند نقطة التماس الكويتية تلك , وعلي طاولة ثقافية رصينة , وفي حضور ' شامي ' معتبر , ان يُستَدعي التاريخ بقراءاته المتباينة ربما الي ساحة الجغرافيا . خرائط جديدة وقديمة , سياسية وثقافية -- ودينية.
بعيدا عن ورقته ' رسمية الصياغة ' , كانت كلمة ' المثقف ' التركي المرتجلة , ومداخلاته المتعددة مُحَفزة لكثير من التعليقات و النقاشات. دعانا الرجل ان ننسي ما كان في التاريخ ' فالزمن تغير ' . موضحا ' لسنا زعماء السنة -- و المسالة لا تشغلنا ' ومؤكدا ' اننا نبحث عن مكان في المستقبل لا في الماضي -- ولا نعتبر ان علمانية الدولة تتعارض مع الشريعة ' .
لا جديد ربما في كلام المستشار الاول لرئيس الجمهورية التركي. فكلام مشابه سمعناه من رجب طيب اردوجان قبل نحو العام. ولكن الرجل ذكرنا به -- وبعض الذكري تنفع المؤمنين.
_ _ _
واذا كان الشيء بالشيء يُذكَر , فقد ذَّكرني حديث التاريخ و الجغرافيا بمقالة مهمة للاستاذ فهمي هويدي عن التجربة السودانية ' كاول واقدم حالة تولي فيها الاسلاميون السلطة في العالم العربي ' ' ' الشروق ' ١٣ يناير ٢٠١٣ ' حين اُوكلت الي مهمة مناقشة ورقة الدكتور حيدر ابراهيم الاكاديمي السوداني المعروف و التي حاول فيها الاجابة عن سؤال محوره : لماذا تاجل الربيع السوداني؟ او هل من الممكن حدوث ربيع سوداني؟
يعتقد المثقف السوداني ان النظام هناك يحتفظ بالسلطة لانه نجح في ان يقتات علي ترويج الشعور بالخطر . حقيقيا كان او مفتعلا. فلا حديث الا عن ' المؤامرات ' الداخلية و الخارجية , و الاسلاموفوبيا ' واستهداف المشروع الاسلامي ' . وان السودان يُعاقَب لتطبيقه شرع الله -- وغير ذلك من حديث يستحضر الهمم , وربما يستحضر الهاتفين الي الشوارع , ولكنه لا يستحضر المستقبل. فضلا عن انه بالطبع لا يُسمن ولا يُغني من جوع. ' وصلت نسب من يعيشون تحت خط الفقر الحد الاقصي عالميا , وتدهور مستوي معيشة الفئات الوسطي لدرجة تهدد انزلاقها الي خط الفقر. ويحتل السودان المرتبة الثالثة علي مؤشر الدول الفاشلة لمجلة فورين بوليسي ' .
ويقول الدكتور حيدر ان الدولة هناك نجحت في اشغال السودانيين بسؤال الهوية , فحاروا في تعريف انفسهم هل هم عرب ام مسلمون ام افارقة , ويذكرنا كيف اعلن الرئيس السوداني عمر البشير في مدينة القضارف قبل اشهر قليلة ' الغاء تعددية السودان ' في خطاب جماهيري حاشد. ويتساءل كيف فشلت الدولة في ' ادارة التنوع ' , الي درجة ان يختار اكثر من ٩٨ في المائة من مواطنيها ' غير المسلمين ' في الجنوب الانفصال عن دولة يفترض انها ' اسلامية تحكم بشرع الله ' ورغم كل هذا الكم من الفقه الذي يحفظ حقوق غير المسلمين في المجتمع المسلم.
وكاننا في الهم شرق , لا يعفي الدكتور ابراهيم المعارضة السودانية من المسئولية ' ويبدو انها ازمة المعارضة العربية انَّي ذهبت ' , فيذكرنا بتلك التي اما مالات النظام الحاكم بحثا عن مكان الي جواره , واما انفصلت عن الشارع مكتفية ' بحركة في المكان ' يعوزها الوقود اللازم لحركة حقيقية , وهو وقود لن تجده الا في الشارع . بسطائه وشبابه المتمرد.
وبغض النظر عن اجابات الرسميين هناك التي اشار اليها د.ابراهيم , و التي تنحصر كالعادة في ان ' السودان ليس تونس او مصر -- لاننا سبقناهما وجئنا بالشريعة الي الحكم ' , يظل السؤال وان نظريا قائما : هل يشهد السودان ما شهده جيرانه العرب في ليبيا و مصر ؟
بمزحة ' بدت ثقيلة ' رد احد الحاضرين علي السؤال بسؤال : وهل يذهب الربيع الي السودان , ام يذهب الربيع ببلدانه الي ما ذهب اليه السودان؟
بدا السؤال للوهلة الاولي ثقيلا -- وافتراضا اكاديميا لا اكثر. ولكنه ' في حضور ضيفنا التركي و الاخبار القادمة من سوريا و العراق و السودان -- ولا اريد ان اقول ليبيا ' استدعي الي الطاولة كلاما كثيرا يدور كله حول الهوية -- و التاريخ -- و الجغرافيا -- الامبراطورية -- و الدويلات. وعلي ورقة صغيرة لخصت كل ما قيل من نقاش امامي في سؤال واحد اظنه سيحدد ملامح ايامنا القادمة. او بالاحري ايام اجيالنا القادمة :
الي اي مدي سيضع سؤال الهوية , و استدعاء التاريخ , ظلالهما علي خرائط الجغرافيا ؟
حين بادرت كعادتي بنقل ما تيسر من مناقشات الغرف المغلقة الي ساحات رحبة لمواقع التواصل الاجتماعي علي الانترنت , و التي كانت قد انتهت للتو من استحضار الهمم ' لاستعادة الاندلس ' , لم يكن مشيرا ان معظم ردود الفعل ' وبعضها حاد كما اعتدنا ' ذهب في معظمه الي استحضار الهوية و التاريخ. متمترسا او متوعدا -- وفي كل الاحوال مؤكدا بتعليقاته ' القاطعة ' علي اهمية السؤال.
_ _ _
لا اريد ان اقع في محظور ' تعميم ' ترفضه قواعد الاكاديمية الصارمة. ولذا يلزم توضيح اننا هنا نتحدث عن ' التجربة ' السودانية. وهي كمثلها من التجارب ' في ايران وباكستان -- الخ ' لها خصوصيتها التي حالت دون ان تطرق ابواب الربيع كما يقول الباحث السوداني , او تجاوزت مقتضياته كما يقول الرسميون السودانيون. هي في النهاية ' تجربة ' . وما سميت التجارب هكذا الا لندرسها -- ومنها نتعلم.
و بعد --
في اواخر نوفمبر الماضي , وفي نقاش ' رسمي ' حاولت فيه ان ابين ضرورة احترام التنوع , واهمية ' وحدة الجبهة الداخلية ' امام ما نواجهه من تحديات , ومخاطر ما يواجه البلاد من استقطاب وانقسام , كان رد احد السياسيين ' المتنفذين ' مهوِنا من الامر : لا تسمه انقساما -- ولا تخيفنا من الاستقطاب -- فالاستقطاب في كل مكان في العالم. ثم ان ' اقليم الباسك يطلب الانفصال عن اسبانيا ' -- يومها لم اجد لدي ردا علي الكلام ابلغ من الصمت. وقانا الله واياكم شر اقليم الباسك .
ليست هناك تعليقات :
إرسال تعليق