الديمقراطية موجودة و الديمقراطيون غائبون معتز بالله عبد الفتاح



هل من الممكن ان يكون هناك علم بلا علماء وبالتالي يترك العلم الي مجموعة من الجهلة , هل من الممكن ان تكون هناك منافسة بلا متنافسين وان يترك التنافس لمجموعة من المحتكرين , هل من الممكن ان يكون هناك دين بلا متدينين , ويترك الدين لمجموعة من المتاجرين بالدين , هل يمكن ان تكون هناك ديمقراطية بلا ديمقراطيين , وان تترك المسالة لمجموعة من الديماجوجيين المزايدين الذين لا يعترفون بقانون او الدوجماتيين الذين لا يعترفون بحق الآخرين في ان يخالفوهم في الراي؟

المعضلة هنا اننا بصدد حديث عن الديمقراطية دون استيعاب معناها اصلا , فننتهي الي وضع ملتبس , مثل من اعتاد علي قيادة السيارة في مصر ثم يفاجا بانه حين يقود السيارة خارج مصر بنفس الطريقة ياخذ مخالفات كثيرة لانه ظن ان القيادة في مصر هي النمط الوحيد وربما الصحيح للقيادة , في حين انه حين يحتك بمجتمعات اخري يكتشف المفارقة بين مصر وما يفعله المصريون , و العالم وما يفعله الآخرون.

●●●

ان مفهوم الديمقراطية , الذي ازعم اننا لم نحسن فهمه بعد , مفهوم ملتبس , فخلا المملكة العربية السعودية , لا يوجد نظام حكم في العالم لا يدعي قادته ورموزه وصلا بالديمقراطية بغض النظر عن مدي التزامهم بها , فالمانيا الشرقية كانت تلحق لفظة ديمقراطية باسمها الرسمي ولا تزال الجزائر فاعلة , كما يتحدث الخليجيون عن ' ديمقراطية الصحراء ' , وابتدع محفوظ نحناح , القيادي الاخواني الجزائري , مفهوم الShuracracy كبديل اسلامي عن الديمقراطية العلمانية , وتحدث شيوعيو الاتحاد السوفيتي عن ' الديمقراطية المركزية ' , وروجت نظم الحزب الواحد في افريقيا لفكرة ' ديمقراطية اتفاق الراي ' ' unitary democracy ' . وقليلة هي الدول التي لا تنص في دساتيرها او وثائقها الرسمية علي انها تتبني الديمقراطية بما في ذلك عراق صدام حسين , وبيرو فوجيموري , واوغندا عايدي امين وغيرها. ومن هنا حدثت فجوة بين ' الشيء ' الذي يسمي الديمقراطية و ' المصطلح ' الذي اصبح اسيرا للاستخدام غير الرشيد اعلاميا وسياسيا. وتظل هذه المعضلة المصرية حيث اننا جميعا نتحدث عن الديمقراطية ولكننا نفهمها بمعان مختلفة بما يخدم مصالحنا او رؤيتنا السياسية.

وفي مواجهة فوضي الاستخدام الدعائي و الانتهازي لمفهوم الديمقراطية , استنبط الاكاديميون صفات يضعونها قبل كلمة ديمقراطية ليفرقوا بين الديمقراطية الحقيقية و النظم التي انحرفت عنها . فهناك من تحدث عن نظم هجين ' hybrid regimes ' , وهناك من تحدث عن نظم ' شبه تسلطية ' semi_authoritarianism ' , او استخدم وصف ' التسلطية الناعمة ' ' soft authoritarianism ' , او ' الديمقراطية المزيفة ' ' pseudodemocracy ' , او ' اشباه الديمقراطية ' ' semi_democracies ' , او ' ديمقراطية غير ليبرالية ' ' illiberal democracy ' , او ديمقراطية تقديرية ' virtual democracy ' , او ' استبدادية انتخابية ' ' electoral authoritarianism ' , او ' ديمقراطية انتخابية ' ' electoral democracy ' .

كل هذه المحاولات لوقف سيل الاستخدام الدعائي و الانتهازي للديمقراطية , ولهذا كتبت في كتابي المتواضع ' المسلمون و الديمقراطية ' ان ' الديمقراطية واخواتها ' سبعة. هناك الديمقراطية الراسخة المستقرة ولها عناصر ستة , ان غاب واحد منها انحرفت لاحدي اخواتها. وهذا الانحراف يعني خطوة او اكثر نحو التسلطية. وهذه العناصر هي :

1 حق التصويت مكفول للجميع بغض النظر عن النوع و العرق و الدين , وان شاب هذه الخصيصة عيب صارت ' ديمقراطية انتقائية ' , وهذا ما يسمي بشرط الشمول Comprehensiveness condition , وكان المثال علي ذلك الولايات المتحدة حتي عام 1920 ثم 1965 , وسويسرا حتي عام 1971 , وكانتا منعتا المراة من المشاركة في الانتخابات وبعض الاقليات الاخري.

2 منافسة مكفولة لكل القوي السياسية التي تحترم قواعد اللعبة الديمقراطية , وان شاب هذه الخصيصة عيب صارت ' ديمقراطية غير تنافسية ' , وهذا ما يسمي بشرط التنافسCompetition condition , وعلي هذا فان منع الاسلاميين المعتدلين في بعض الدول العربية من الدخول في الانتخابات بحجة انهم ارهابيون او منع العلمانيين من الدخول في السباق من اجل مقاعد البرلمان في ايران او السودان ينال من شرط التنافسية.

3 احترام للحقوق المدنية , والا تتحول الي ' ديمقراطية غير ليبرالية ' ' شرط الليبرالية Liberalism condition ' وهو مثال نظامي الحكم العنصري في جنوب افريقيا وناميبيا حيث كانت تجري انتخابات حرة ونزيهة وتداول سلمي للسلطة بين البيض في ظل غياب واضح للحقوق و الحريات المدنية لقطاع واسع من المواطنين الافارقة.

4 وجود تعدد لمراكز صنع القرار بما يتضمنه هذا من مساءلة ومسئوليات متوازنة , والا تحولت الي ' ديمقراطية انتخابية ' وهو ما نسميه في مصر ' ديمقراطية الصندوق ' ' وهذا هو شرط المساءلة Accountability condition ' , و المثال علي ذلك روسيا الاتحادية تحت ظل الرئيسين يلتسين وبوتين حيث تجري انتخابات فيها درجة واضحة من التنافس بيد انها لم تضع ايا منهما تحت مسئولية حقيقية امام البرلمان او حتي العودة اليه في كثير من القرارات. وهي نفس المعضلة التي سنواجهها في مصر ان حاز الاخوان المسلمون علي الاكثرية في مجلس النواب , ولم يكوّن غيرهم تحالفا معارضا لهم.

5 قبول جميع القوي السياسية لقواعد اللعبة الديمقراطية بغض النظر عن نتائجها والا تحولت الي ديمقراطية غير مستقرة ' شرط الاستدامة Sustainability condition ' , فالتاريخ شهد عددا من القوي السياسية التي وصلت الي سدة الحكم في انتخابات حرة نزيهة او بوعود باقامة نظم ديمقراطية لكنها لم تف بوعودها مثل هتلر في المانيا النازية او جبهة الانقاذ في الجزائر او نظام حكم مشرف في باكستان . فمع انتفاء شرط الاستدامة تنتفي قدرة الديمقراطية علي انتاج آثارها الايجابية.

6 المصدر الوحيد للشرعية هو اصوات الناخبين ولا يقبل الناخبون بغير اصواتهم الحرة مصدرا للشرعية والا تحولت الي ديمقراطية نخبوية او ديمقراطية بلا ديمقراطيين ' شرط الثقافة الديمقراطية Democratic Culture condition ' , فالتاريخ يشهد بالعديد من حالات التراجع عن الديمقراطية بعد اقرارها لصالح نخب عسكرية تتبني شعارات شعبوية مثل مصر و العراق في اعقاب الحقبتين الليبراليتين تحت الاحتلال و الارجنتين و البرازيل في السبعينات وحتي منتصف الثمانينات.

اذن الديمقراطية الراسخة المستقرة هي التي تجمع العناصر الستة. وحقيقة فان ادبيات علم السياسة زخرت بنقاشات مستفيضة بشان اطلاق لفظة ديمقراطية علي نظام حكم يفتقد واحدا من هذه العناصر. فهناك من يري ان الديمقراطية اما ان توجد او لا توجد. فما قيمة ' ديمقراطية ' مع غياب تنافس حقيقي بين القوي السياسية التي يتكون منها المجتمع بسبب سيطرة حزب واحد علي الحكم عن طريق التزوير و الترهيب , وما جدوي اطلاق لفظة ' ديمقراطية ' علي نظام حكم تابي قواه السياسية احترام ارادة الناخبين اذا اتوا بمنافسيهم الي الحكم؟

ورغما عن وجاهة الطرح السابق , فان منطق ' اما ديمقراطية او لا ديمقراطية ' له قيمة معيارية مفيدة لكن قوته التحليلية ضعيفة. فلا يمكن ان توضع نظم مثل كوريا الشمالية و الصين وروسيا الاتحادية وايران ودول الخليج و العراق و الجزائر ومصر في نفس الخانة لانهم لا يملكون عنصرا واحدا او اكثر من العناصر السابقة.

●●●

كل ما سبق من معايير يبقي نظريا حتي يُختبر النظام السياسي في الديمقراطية فيثبت نجاحه او فشله. ومن امثلة الاختبارات القاسية التي مرت بها دولة مثل الولايات المتحدة , التي في ديمقراطيتها الكثير مما يستحق الانتقاد قطعا , هو جدل الانتخابات الامريكية في عام 2000 حيث فاز آل جور باغلبية الاصوات العددية لكنه وفقا للدستور الامريكي فان توزيع الاصوات بين الولايات هو الفيصل في تحديد الفائز في الانتخابات. ولان تقليد تداول السلطة في الولايات المتحدة مستقر منذ ان قرر الرئيس الاول جورج واشنطن الا يترشح لمنصب رئيس الجمهورية اكثر من مرتين , فظلت باقية في عقبه , فان هذا التقليد قد رسخ في اذهان الامريكيين احترام مؤسسات الدولة حتي وان اختلفوا مع توجهها.

وعليه فقد وقف مؤيدو آل جور علي احد جانبي الشارع ووقف انصار جورج بوش علي الجانب الآخر ينتظرون جميعا حكم المحكمة الدستورية في فلوريدا ثم في المحكمة العليا في العاصمة واشنطن دون طلقة رصاص واحدة او اغلاق اي طرق او التهديد باللجوء للعنف او اعلان الحرب المقدسة علي احد بل ويعلن المرشحان المتنافسان انهما سيحترمان حكم المحكمة ايا كان , وقد كان. ومن هنا كانت المؤسسة اقوي من الفرد لان الفرد له دور وله مدة اما المؤسسة فلها وظيفة ولها ديمومة. هل وقع ظلم علي آل جور؟ طبعا وقطعا ويقينا وهذا امر لا مجال للخلاف بشانه ولكن يبدو ان ثقافة مجتمعهم تجعل الشخص يتعود علي احترام القانون و القضاء حتي لو اعتقد انهما ظالمان ليس بسبب القمع , ولكن بسبب الحرص علي الا تحدث فتن تنال من استقرار الدولة.

هناك توجد ديمقراطية , ويوجد ديمقراطيون , علي عيوب في التطبيق. اما في منطقتنا العربية , ومصر رائدة في هذا , فهناك كلام عن الديمقراطية من اشخاص غير ديمقراطيين يتعاملون مع الديمقراطية كمصطلح فارغ من المضمون وانما مجرد غطاء للديكتاتورية الكامنة في ثقافتنا. عن الحكم و المعارضة معا , اتحدث. وعموما , رسوخ الديمقراطية في ثقافة ما , بالذات مثل ثقافتنا , سيتطلب الكثير من الجهد و الوقت و التعلم , وانا علي يقين ان النتيجة مضمونة بشرط الاخلاص للمبدا و المصلحة العليا للوطن .

ليست هناك تعليقات :