لقد حمّل البعض التصريحات الاخيرة التي ادلي بها الفريق عبدالفتاح السيسي وزير الدفاع باكثر مما تحتمل , فحين قال في 29/1 ان استمرار الصراع الراهن بين القوي السياسية يهدد بانهيار الدولة المصرية , اعتبر البعض ان كلامه بمثابة اعلان عن اثبات الحضور وتعبير عن القلق جراء ابتعاد الجيش عن الساحة السياسية , وذكرت صحيفة الحياة اللندنية ان الجيش اراد بذلك ان يكن له موطئ قدم في حلبة السياسة , في حين قالت نيويورك تايمز ان كلامه يثير احتمال عودة الجيش الي السياسة.
وقبل ظهور كلام الفريق السيسي دابت بعض الابواق الاعلامية علي الاشارة الي ان ثمة استياء في اوساط الجيش جراء المساس ببعض قياداته. وقرانا آنذاك عنوانا رئيسيا وتحذيريا اطلقته احدي الصحف استخدم العبارة التالية : الجيش اذا غضب , وفسرت الدعوة التي الغيت بعدما وجهها وزير الدفاع الي ممثلي القوي السياسية للالتقاء حول مائدة غداء بانها من اشارات التواصل ومد الجسور مع الحالة السياسية. وقرانا بعد ذلك لمن دعا الي تولي وزير الدفاع ادارة الحوار بين الرئاسة و المعارضة , ثم طالعنا مبادرة للحوار مع الرئيس دعت الي مشاركة وزيري الدفاع و الداخلية , وعاد احدهم اخيرا لكي يحث الفريق السيسي علي التدخل في اللعبة , ويذكره بانه مدين لاهل السياسة بدعوة غداء لم تتم وعليه ان يفي بها -- .الخ.
الملاحظة بل المفارقة الاساسية في كل ذلك ان رموز المعارضة الذين يوجهون خطابات الاستدعاء المتلاحقة للجيش يقدمون انفسهم بانهم انصار الدولة ' المدنية ' . الامر الذي يعني ان خصومتهم للاخوان جعلتهم علي استعداد للاستقواء باي طرف لمواجهتهم وانزال الهزيمة بهم , وهو ما يدعونا للقول بان اخواننا هؤلاء اذا كانوا قد قبلوا الاصطفاف الي جانب بعض رموز النظام السابق الذي هو الخصم الاساسي للثورة , فليس مستغربا ان يتخلوا عن مدنية الدولة. ويلجاوا الي الجيش لذات الغرض. افتح هنا قوسا واستاذن في نقل رواية سمعتها من احد النشطاء البارزين قبل ايام. بعد الاعلان عن التوافق بين حزب النور السلفي وبين بعض قيادات جبهة الانقاذ. اذ قال لي انه شارك في حوارات مطولة لاقناع السلفيين بان الليبراليين و العلمانيين ليسوا ملحدين او كفارا , ولم يصدق اذنيه حين فوجئ بان الطرفين اصبحا ' يدا واحدة ' الآن في بعض المواقف.
لا اعرف كيف استقبل الجيش تلك الدعوات و الرسائل. ولا انكر ان تصريحات بعض المنتسبين اليه تفتح الابواب للحيرة و الالتباس. فلم يكن موفقا قائد الجيش الثاني بالسويس مثلا حين صرح لاحدي الصحف بان الجيش يقف علي مسافة واحدة من الجميع. لانني افهم ان المؤسسة العسكرية ليست محايدة بين المتصارعين في الساحة السياسية حتي الذين يشيعون الفوضي ويستخدمون العنف منهم. وان المكان الطبيعي لها هو ان تقف مع الشرعية التي ارتضاها الشعب. كما كان مستغربا ان يقول ضابط سابق له صلته الوثيقة بالاجهزة السيادية في احد البرامج التليفزيونية ان مجموعة الكتلة السوداء ' بلاك بلوك ' التي ظهرت مؤخرا وشاركت في التخريب لا تمثل خطرا علي البلد , فيما يعد قبولا ضمنيا بالدور الذي قامت به.
صحيح ان اللغط لم يتوقف في بعض الدوائر حول موقع وميزات المؤسسة العسكرية , وهناك مطالبات لا تخلو من وجاهة دعت الي تخلي الجيش عن بعض الانشطة الاقتصادية التي لا تليق بمكانته او رسالته. لكن ذلك لا يخل بالاجمال الوطني علي ضرورة الحفاظ علي قوة الجيش ورفع كفاءته و الناي به عن التورط في آلاعيب السياسة وتقلباتها , الا ان بيننا من يتجاهل كل ذلك ويسعي جاهدا الي تحويل الجيش الي ' ورقة ' يستقوي بها ويضغط , لترجيح كفة طرف في اللعبة السياسية في مواجهة طرف آخر , وهو شيء محزن حقا ان يقف بعض دعاة الدولة المدنية وراء هذه المحاولات معرضين بذلك عن استخدام آليات الممارسة الديمقراطية , الامر الذي يثير لدينا سؤالا كبيرا يشكك في اهليتهم لان يكونوا بين خيارات المستقبل وبدائله التي يمكن المراهنة عليها.
ليست هناك تعليقات :
إرسال تعليق