ابراهيم يسري يكتب تحية لقضائنا الشامخ

اتحدث هنا كمشتغل بالقانون اكثر من نصف قرن وكمواطن يعيش مع الشعب لاؤكد بكل قوة ايماني بقدسية القضاء كملاذ حصين وفاعل للمظلومين وكابح للطغيان ، واستنكر هنا المظاهرات التي تنادت بتطهير القضاء ياسا من عدم محاسبة المتجاوزين ولم يهتز ايماني بذلك عبر الحوار العبثي الذي يدور الآن حول تطهير القضاء و العنتريات التي تساق هنا وهناك.
ودعنا ننظر في الامر بكل صدق لنضع الحقائق واضحة بلا تزييف ولا اي روح قبلية ، فالقضاء كاي جهاز في الدولة عاش فساد الدكتاتورية ثلاثين عاما ولحق بعض افراده بعض الانحرافات و التجاوزات بعضها معروف للعامة مثل تزوير الانتخابات و التربح و الواسطة. وهناك آليات فاعلة من داخل الجهاز لمحاسبة المتجاوزين تتمثل في التفتيش القضائي و المجلس الاعلي للقضاء و المجلس الخاص بمجلس الدولة ، وكل ما يتطلع اليه الناس هو قيام القضاء باصلاح نفسه بنفسه دون ادني تدخل من خارجه. وارجو الا تكون قد سادت في الوسط القضائي روح القبلية التي تحمي القضاة ، وبينهم المتجاوزون حماية كاملة علي اساس ان القاضي لا يمس ولو كان متجاوزا و التي تصدر بلهجة استعلائية فوقية عن الشعب وكل سلطات الدولة ، وهو ما تم بعد دخول بعض القضاة في معركة الصراع السياسي الدائرة حاليا.
وفي خضم الصراع السياسي الذي اقحم البعض السلطة القضائية فيه وبعض الاحكام التي شابها العوار لتغليب الدفوع السياسية علي صحيح القانون ولا نريد ان نشير اليها هنا بعدا عن الاثارة ونحن في معرض التهدئة في اطار احترامنا وتبجيلنا للسلطة القضائية.
اما تعديل سن تقاعد القضاة فالمفترض انه لا يتصل من قريب او بعيد بالاصلاح القضائي وربما هدف ذلك الي تصحيح قوانين وقرارات متعاقبة للنظام السابق صدرت مجاملة او رغبة في الاستعانة بقضاة معروفين بالاسم ، وهو اجراء يتفق بصفة عامة مع السن البيولوجية و التجديد واتاحة الفرصة لجيل آخر من القضاة علي خلفية تعطل آليات مواجهة التجاوزات الثابتة لعدد قليل من القضاة.
●●●
ولا حاجة بنا للحديث عن السقطة العجيبة بطلب البعض التدخل المباشر للرئيس الامريكي فهي محل استنكار ودهشة من القضاة انفسهم ، ولكني اعرج هنا في عجالة علي قانون واختصاص المحكمة الجنائية الدولية لا لشيء الا لانعاش ذاكرة المستشارين المبجلين الذين هددوا باللجوء للمحكمة الجنائية الدولية باعتبار ان تعديل سن التقاعد هو ويا للعجب جريمة ضد الانسانية. وسبق ان دعوت ، في مقال بجريدة الشروق في ٢٨ يناير ٢٠١٣ للانضمام لنظام المحكمة ، وكانت اللجنة القومية للمحكمة الجنائية الدولية اوصت في يناير ٢٠٠٢ بالانضمام للمحكمة التي انضمت لها ١١٤ دولة حتي سنة ٢٠١١ ، منها ٣١ دولة افريقية ، ومن الدول العربية الاردن وجيبوتي فقط ، وتغيب روسيا و الصين و الهند كما شرفت بالاشتراك في لجنة شكلها د. نبيل العربي اوصت في ٣ مايو ٢٠١١ بالانضمام للمحكمة.
اما اسس وشروط نظر المحكمة للجرائم ضد الانسانية فقد جرمت المادة ٥ الابادة الجماعية و الجرائم ضد الانسانية وجرائم الحرب وجريمة العدوان ، وعرفت مادة ٧ الفعل المجرم ضد الانسانية بانه يجب ان يتم ارتكابه في اطار هجوم واسع النطاق او منهجي موجه ضد اي مجموعة من السكان المدنيين وعلي علم بالهجوم وتشمل الجرائم ٨ فئات قتل ابادة -- آخرها جريمة اضطهاد جماعة محددة او مجموع محدد من السكان.
وفي الفقرة الثانية شرحت الفعل المجرم كجريمة ضد الانسانية ، وهي الاقرب الي حالتنا بانه عبارة عن هجوم موجه ضد اي مجموعة من السكان المدنيين نهجا سلوكيا يتضمن الارتكاب المتكرر للافعال ضد اي مجموعة من السكان المدنيين عملا بسياسة دولة او منظمة تقضي بارتكاب الهجوم وتعزيز هذه السياسة.
وبينت المادة ١٢ اختصاص المحكمة بالاحالة فقط من حكومة عضو بالنظام الاساسي للمحكمة او من مجلس الامن. وتقرر المادة ١٥ انه اذا توفر لدي المدعي العام تحليل بجدية المعلومات المقدمة اليه تشكل اساسا معقولا للشروع في اجراء تحقيق فعليه ان يحيله الي الدائرة التمهيدية بالمحكمة طلبا للآذن بالتحقيق.
●●●
وبعد استعراض هذه الاحكام امام شيوخ القضاة بما لهم من خبرة قانونية كبيرة لست في حاجة الي القول في النهاية ان التهديد بالاحالة الجنائية عمل اجوف لا يستند الي اي اعتبارات قانونية او وطنية صحيحة واناشدهم الحفاظ علي مقامهم الرفيع بالكف عن اضفاء المشروعية علي امور دون اساس قانوني مقبول.
ليست هناك تعليقات :
إرسال تعليق