من يدفع ثمن الأزمة بين مصر و الامارات ؟ مصطفى النجار

يعود تاريخ العلاقات المصرية الاماراتية الي ما قبل عام 1971 الذي شهد توحد الامارات السبع في دولة واحدة تحت قيادة الشيخ زايد بن سلطان وقد اعترفت بها مصر وايدت بشكل كامل الاتحاد الذي جمع هذه الامارات ودعمت مصر الامارات دوليا واقليميا كبلد عربي شقيق رات فيه اضافة جديدة للعالم العربي.
ارتبط البلدان بعلاقات تجارية واستثمارية متبادلة عبر ما يزيد علي 18 اتفاقية تنظم العلاقات الاقتصادية و التجارية بينهما , وبلغ حجم التبادل التجاري بينهما 1.4 مليار دولار.
كما بلغ حجم الاستثمارات الاماراتية في مصر 10 مليارات دولار عام 2010 في قطاعات الزراعة و الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات و العقارات و الخدمات المصرفية.
وقدم صندوق ابوظبي للتنمية منحا وقروضا الي مصر تبلغ قيمتها 325 مليون دولار ساهمت في تمويل عدد من المشروعات التنموية بمصر.
اما علي المستوي السياسي فقد كانت المواقف السياسية متقاربة وشبه متطابقة بين البلدين في فترة حكم النظام المصري السابق , ويحمل اهل الخليج بشكل عام ومنهم النظام الحاكم في الامارات تقديرا بالغا لدور مصر في مساندة دول الخليج ضد الغزو العراقي لدولة الكويت , وكذلك الموقف المصري المتشدد تجاه ايران طوال فترة حكم مبارك , لذلك فان التعاطف مع الرئيس السابق وصل الي ذروته بعد بدء محاكمته وقالت مصادر اعلامية حينها لا ندري مدي صحتها ان هناك طلبات متكررة من الامارات بعدم محاكمة مبارك مقابل تعويضات كبيرة تتكفل بها للعفو عنه , وهذا ما رفضته الحكومة المصرية.
وكان رفض الامارات استقبال رئيس الوزراء المصري السابق عصام شرف في اللحظات الاخيرة خلال جولته الخليجية التي شملت كلا من السعودية و الكويت وقطر امرا مهينا للنظام المصري , وقالت الامارات ان مواعيد مسئوليها لا تسمح بزيارته في الوقت الراهن , علي ان يتم تحديد موعد لاحق للزيارة , وهو ما فسرته مصادر سياسية بانه رد علي رفض العفو عن مبارك واشارة الي رفض الامارات لما اعتبرته تقاربا مصريا ايرانيا يلوح في الافق , ويمثل خطرا علي دول الخليج التي تتخذ موقفا سلبيا من النظام الايراني لاسباب تاريخية وسياسية مستمرة حتي الآن.
●●●
واثارت تصريحات السيد ضاحي خلفان قائد شرطة امارة دبي حول مخاوفه من تبوء الاسلاميين في العالم العربي الحكم جدلا مستمرا , وشن حملة موسعة ضدهم منذ بدء ثورات الربيع العربي وحتي الآن علي هيئة تصريحات علنية , وتغريدات في موقع تويتر , واستمرت انتقاداته بعد فوز الاخوان بمنصب الرئاسة في مصر مما الي ادي الي استدعاء الخارجية المصرية لسفير الامارات في القاهرة لسؤاله عن موقف حكومته من تصريحات خلفان , واكدت المؤسسات الرسمية بالامارات عدة مرات ان كتابات خلفان لا تعبر بالضرورة عن موقف اماراتي رسمي ضد مصر.
وبعد قيام الامارات باعتقال عدد من المصريين المقيمين بها بتهمة الانتماء الي تنظيم محظور وعقد اجتماعات سرية في مختلف مناطق الدولة بهدف بتجنيد ابناء الجالية المصرية في الامارات للانضمام الي صفوف التنظيم زاد توتر العلاقة بين البلدين اذ رات جماعة الاخوان ان هذه القضية ملفقة بهدف عقاب النظام المصري بينما اكدت الامارات ان المتهمين يلقون محاكمة عادلة تحظي برقابة حقوقية واعلامية , وانه لا يمكن ابدا ان تسمح باختراق القانون او تستثني احدا من المساءلة علي ارضها وادت تصريحات الدكتور محمود غزلان احد قيادات جماعة الاخوان وانتقاده للامارات في زيادة الاحتقان بين البلدين لدرجة ان وزير الخارجية الاماراتي الشيخ عبدالله بن زايد قال في تصريح له : ' اتمني علي الحكومة المصرية الشقيقة ان توضح موقفها من تصريحات غزلان المستهجنة تجاه الامارات. ما صرح به غزلان دليل علي نية سيئة , ومع الاسف هو فكر لا تستحقه مصر الغالية ' .
●●●
بعيدا عن توتر العلاقات الرسمية بين البلدين يقترب عدد المصريين العاملين بالامارات من نصف مليون مصري ويخشي هؤلاء من ان تؤثر المشكلة السياسية علي ظروف عملهم واستقرارهم في الامارات خاصة بعد التشدد في عمل تاشيرات العمل وعدم التجديد لبعض من يعملون وانتهت عقودهم عقب الثورة مباشرة.
ثمة نقاط ينبغي مراعاتها في التعامل مع الازمة الحالية بين البلدين :
اولا : هناك مخاوف خليجية من خطر تصدير الثورة وتاثر هذه الدول بها رغم اختلاف تركيبتها واوضاعها الاجتماعية و الاقتصادية عن دول الربيع العربي.
ثانيا : عداء اغلب دول الخليج لجماعة الاخوان ليس جديدا لذلك فان عدم ترحيبهم بوصول الاخوان الي الحكم امر ينبغي تفهمه.
ثالثا : لا يعيب الامارات تعاطفها مع مبارك وحرصها علي معاملته بشكل كريم وينبغي تقدير ذلك مهما كان موقفنا منه ولا يكون هذا مدعاة لاتهام الامارات بالتآمر علي الثورة المصرية ومحاولة اعادة النظام القديم , مع الوضع في الاعتبار ان النظام الاماراتي لا يعادي الشعب المصري بل يحمل له مشاعر الحب و الود , ولكنه لا يحمل هذه المشاعر لجماعة الاخوان التي يتهمها بمحاولة زعزعة النظام.
رابعا : لا يمكن ان نرضي بعقاب نصف مليون مصري يعملون هناك بسبب الازمة المؤقتة الحالية , ولا اعتقد ان شهامة ومروءة الاشقاء في الامارات تسمح لهم بذلك ومن هذا المنطلق يجب ان تكون اوضاع هؤلاء بمعزل تام عن مواجهات السياسة ونقدر الحفاوة البالغة التي تم بها استقبال شيخ الازهر هناك منذ ايام و العفو الذي اصدره الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان , رئيس دولة الامارات العربية المتحدة , عن 103 سجناء مصريين ممن سبق ان صدرت بحقهم احكام مختلفة. وتحمله للالتزامات المالية المترتبة علي تنفيذ تلك الاحكام وهذه رسالة ايجابية يجب ان تتعامل معها مصر باهتمام.
خامسا : علي جماعة الاخوان الا تتدخل في قضية التنظيم الذي تتم محاكمته الآن وان تحترم الاليات القضائية لدولة الامارات وعدم ربط علاقات مصر بالامارات بهذه القضية مهما كانت ابعادها.
●●●
واخيرا نحتاج كسياسيين الي جهد سياسي شعبي يعيد التوافق المصري الاماراتي لما له من اهمية بالغة للشعبين وللمنطقة العربية ككل ودائما تظل الشعوب باقية و الانظمة زائلة.
ليست هناك تعليقات :
إرسال تعليق