حيرة و قلق من جولات شيخ الأزهر في دول الخليج فهمي هويدي


الزيارات الخليجية التي يقوم بها شيخ الازهر مصطحبا معه بعض العلماء تبعث علي الحيرة و القلق باكثر مما تبعث علي الارتياح , ذلك ان الشيخ ليس رجل دولة تحكمه الاعراف و المجاملات التي يقتضيها تبادل المصالح السياسية , ولكنه رجل دعوة يحتل موقعه علي راس مؤسسة عريقة ادت رسالتها التاريخية بجدارة باعتبارها جامعا وجامعة , تدرس الدين وتبلغه للناس كافة. قد تحقق زياراته بعض النتائج الايجابية , لكن تلك النتائج تظل خارج الدائرة التي تتوجه اليها رسالة الازهر. ان شئت فقل انها تصب في هوامش مهمته وليس في صلبها. انني اشم في تلك الزيارات رائحة السياسة التي هي في طبيعتها مشكوك في براءتها. ذلك ان شيخ الازهر حين يدعي الي مناسبات لا علاقة لها بالدور العلمي او الدعوي الذي تقوم به المؤسسة الكبري التي يراسها , فان ذلك لابد ان يثير العديد من علامات الاستفهام و التعجب. وحين يدعي الشيخ الي بلد علي غير صفاء او وئام مع الدولة المصرية التي ينتمي اليها , فان ذلك يفتح الباب لاحتمالات عدم البراءة , ومن ثم الشك في اهداف الزيارة التي قد يظن ان المراد بها فصل الازهر عن الدولة. وحتي اذا كان ذلك الاحتمال الاخير مبالغا فيه ويحمل الامر باكثر مما يحتمل , فالذي لاشك فيه ان الشبهة قائمة , وثمة قرائن عدة تؤيدها. وحريٌّ بشيخ الازهر الا يضع نفسه في ذلك الموضع. ثم حين تتزامن زيارات الامام الاكبر للدول الخليجية مع حملة الابادة التي يتعرض لها المسلمون في ميانمار مثلا , وتنشر له صور مع اكابر القوم ووجهائهم في الخليج جنبا الي جنب مع صور جثث ودموع اولئك المسلمين البؤساء. فربما عذرنا من توجه اليه بالعتاب قائلا انه يقف في غير مكانه ويغيب حيث يجب ان يوجد.

لست اشك في ان شيخ الازهر يسعي في الخير ويتحري المصلحة حيث يذهب. ولست بحاجة الي الحديث عن صدق نواياه في هذا الصدد. لكنني اتحدث عن الحسابات و الاعتبارات المعقدة التي ينبغي ان تراعي في ترتيب زياراته , كي لا يستدرج الي ساحات غير تلك التي ينبغي ان تستاثر باهتمامه , وحتي لا يوظف دور الازهر ووزنه بعيدا عن دوره كمنارة هادية علي اصعدة المعرفة و التجديد و التبليغ.

ليس سرا ان جهات عدة تحاول استثمار دور الازهر في المعادلة السياسية. وذلك امر ليس جديدا علي تاريخه. فمنذ قام علماؤه بعزل الوالي التركي خورشيد باشا من منصبه حاكما علي مصر وعينوا محمد علي باشا مكانه والبسوه ' خلعة الولاية ' في عام 1805 , ادرك الحاكم الجديد خطورة تلك المؤسسة فعمل علي احتوائها و السيطرة عليها هو وخلفاؤه الذين جاءوا من بعده. ولم يختلف الامر كثيرا بعد ثورة عام 1952. وكتاب الدكتورة ماجدة علي صالح ' الدور السياسي للازهر ' , الذي اصدره مركز البحوث و الدراسات السياسية بكلية الاقتصاد في جامعة القاهرة يؤرخ لتلك المرحلة بشكل مفصل , خصوصا انه يغطي السنوات ما بين عامي 1952 و1981. وعقب ثورة يناير 2011 قام الازهر بجهد معتبر في تحقيق الاجماع الوطني من خلال بعض المبادرات , الا ان بعض العناصر و الشخصيات السياسية حاولت استدراجه لكي يصبح طرفا في التجاذب السياسي , اذ ذهب الي المشيخة قبل اسابيع نفر منهم عقب حادث تسمم طلاب مدينة البعوث الاسلامية , مدعين ان ثمة ' مؤامرة ' ضد شيخ الازهر من جانب الاخوان , وانهم جاءوا للتضامن معه في مواجهة تلك ' الهجمة ' , الا ان الشيخ لم يتجاوب مع رغبتهم وفوت علي القادمين مسعاهم الذي ارادوا به ادخاله في لعبة التجاذب ودفعه الي الاشتباك مع الاخوان , ولا استبعد ان يكون هؤلاء علي دراية بان الامام الاكبر يقف علي مسافة منهم , وان علاقته بالاخوان لم تكن ايجابية دائما. وكان ذلك واضحا اثناء رئاسته لجامعة الازهر , حين اثيرت مسالة ما سمي بميليشيات طلاب الازهر الاخوانية ' عام 2006 ' , التي تعامل معها الدكتور احمد الطيب بشدة لم يكن الموقف يقتضيها. وسواء تم ذلك استجابة للضغوط الامنية او تاثرا بخلفيته الصوفية كواحد من اقطاب الطريقة ' الخلوتية ' التي تقودها اسرته في صعيد مصر , فالشاهد ان ذلك اسهم في توسيع الفجوة بينه وبين الاخوان.

لا اعرف الي اي مدي اثرت تلك الفجوة في علاقة الشيخ بالسلطة القائمة في مصر التي يعد الاخوان طرفا اساسيا فيها. الا ان المراقبين يستطيعون ان يرصدوا بعضا من اصدائها , خصوصا حين جاء الرئيس الايراني احمدي نجاد ضيفا علي القاهرة , وفوجئ الجميع بانه هوجم وجري احراجه حين زار شيخ الازهر. وليس بمقدوري ان اعرف مدي اسهام تلك الخلفية في الدعوات التي وجهت الي الشيخ لزيارة بعض الدول الخليجية المستاءة من الثورة و الاشد استياء من الاخوان. الا انني ازعم ان السلطة في مصر اذا كانت قد حاولت في الماضي استخدام الازهر للقيام بدور في الخارج فضلا عن الداخل , فان الدعوات الخليجية المتلاحقة التي وجهت لشيخ الازهر تمثل تطورا جديدا وغير مسبوق , يحاول من خلاله الخارج ان يوظف الازهر للقيام بدور في الداخل , وهو استنتاج ارجو ان تثبت الايام انه ليس صحيحا.

ليست هناك تعليقات :