المبدأ و مصلحة الوطن أو الفانلة و المصلحة الحزبية معتز بالله عبد التفاح

البعض بالفعل متسقون مع احزابهم وربما كذلك مع ايديولوجيتهم ايا كان لون ' الفانلة ' الملبوسة وما عليها من لافتات , ولكنهم في سبيل ذلك يكونون غير متسقين مع المبادئ التي ينبغي ان تكون اسمي من ' الفانلة ' .
تعالوا ناخذ عدة امثلة.
لو كان المبدا هو احترام حقوق الانسان , اذن هو احترام لكل انسان , ولكن ما معني ان احترم حقوق الانسان الذي احبه و الذي يوافقني وانتهك حقوق الانسان الذي اكرهه و الذي يخالفني في الراي. ما معني انني دفاعا عن الانسان الذي ينتمي الي تياري الفكري اقوم بقتل او القاء المولوتوف علي ' انسان ' آخر يرتدي زي الشرطة. اهي حقوق الانسان الذي يقف علي الجانب الخاص بي من الطريق اما الانسان علي الطرف الآخر فلا حق له؟
طبعا من السهل الاحتجاج بانهما لا يستويان , ولا اعرف من اين ناتي نحن المصريين بحجج تبرر مقاومة عنف الشرطة , وهو قطعا مرفوض , بعنف مضاد يكون القتل فيه مبررا من الجانبين , ونظل ندعي اننا نفعل ذلك للدفاع عن حقوق الانسان؟ هل هذه هي تقاليد الاحتجاج السلمي و العصيان المدني؟ علي اي مذهب؟ ووفقا لاي منظر؟ هل هي تقاليد غاندي ومارتن لوثر كنج ودزموند توتو؟
ونجد هذه المعضلة ايضا حين ينتمي احدنا لحزب ما ويقرر ان يتبني سياسات وقيم هذا الحزب وان يدافع عن ممارساته ايا ما كانت سواء في صالح الوطن او ضد صالح الوطن , هل هو بهذا يتبني موقفا اخلاقيا ام يتبني موقفا سياسيا , وهل من الممكن الجمع بينهما؟
هناك مقولة امريكية عن السياسيين وعلاقتهم بالاحزاب تلخص المعضلة السابقة : ' هناك اشخاص كثيرون محترمون في الحزبين الكبيرين , ولكن الحزبين غير محترمين ' , لماذا؟
الحزب ماكينة سياسية تريد ان تكسب الانتخابات وتصل الي السلطة , هذه هي وظيفتها الاصلية , ولكنها في سبيل ذلك ربما تسعي لخسارة الفريق الآخر بتكلفة اعلي للوطن. السياسيون المحترمون , وهم عادة يكونون القادة الذين يذكرهم التاريخ بالخير , يضعون المصلحة العامة فوق المصلحة الجزئية , يضعون المبدا العام فوق الحسابات الضيقة.
وحتي لا يكون الكلام مثاليا بما يجافي الواقع , فان السياسيين احيانا يسلكون سياسات خاطئة في وسائلها لتحقيق اهداف عظمي في قيمتها.
هل شاهدتم فيلم ' لينكولن ' ؟ يحكي الفيلم عن كافة الاساليب غير الاخلاقية وغير القانونية التي استخدمها الرئيس الامريكي ومساعدوه حتي يتم التصويت علي التعديل الدستوري الذي افضي الي تجريم تجارة وامتلاك الرقيق في الولايات المتحدة. ومن ضمن هذه الاساليب كانت الرشوة السياسية و الكذب بل و الحرب الاهلية نفسها , وهي الحرب التي استمرت اربع سنوات ونصف السنة , مات خلالها 625 الف امريكي , وكان واحدا من كل خمسة امريكيين اما مصابا او قتيلا في هذه الحرب. كان هدف الرجل اخلاقيا وهو تحرير العبيد , وسياسيا وهو حفظ الاتحاد الامريكي من الانهيار.
هذا الرجل خرج علي بعض تقاليد حزبه , بل وقاومه بعض انصاره لكن هنا تتجلي معني القيادة. معني القيادة ان تكون في مصلحة البلد وليس في مصلحة الحزب , ولو حدث تناقض , فمصلحة البلد اهم واكبر.
سؤال : ماذا لو تعارض المبدا مع مصلحة الحزب الذي تنتمي اليه؟
مثلا المبدا يقول الا تستخدم مرافق الدولة لاغراض حزبية. وماذا لو كان بامكانك استغلال مرافق الدولة من اجل اجتماع حزبي او الدعاية لحزب؟ بايهما ستلتزم؟ اما ان تلتزم بالمبدا ويطبق علي جميع الاحزاب بنفس الروح وبنفس الاجراءات او ان نعيش في حالة من الانتهازية السياسية التي نكون فيها متسقين مع احزابنا وتياراتنا الفكرية ولسنا متسقين فيها مع مبادئنا.
وبالمناسبة لا توجد عندي اي مشكلة في ان تستخدم المؤسسات العامة للدولة في انشطة حزبية شريطة ان يكون ذلك متاحا للجميع.
المزعج في مصر ان بعض من يصفون غيرهم بانهم متلونون او منافقون حقيقة هم لا يرون ان هذه الصفات تنطبق عليهم هم اكثر من غيرهم. هم يرون انفسهم متسقين مع ' الفانلة ' التي يرتدونها ولكنهم متلونون ومنافقون بالمعني الاخلاقي الاوسع , وطبعا لكل قاعدة استثناء.
وهذا هو جوهر قول الشيخ الشعراوي : فدوام الاختلاف من الاعتساف , ودوام الاتفاق من النفاق --
لو كانوا يعلمون.
ليست هناك تعليقات :
إرسال تعليق