أيمن الصياد يكتب كلام قديم و جديد عن النيل و أزمة سد النهضة


رغم حماقة ' البث المباشر ' لاجتماع يناقش قضية ' امن قومي ' داخل المقر ' الرسمي ' للحكم , وفي حضرة ' رئيس الدولة ' , الامر الذي له تبعات قد يصعب تداركها في موضوع بهذه الحساسية و الخطورة , فهذه محاولة لاخراج ملف النيل من براثن استقطاب مقيت اختصر الملف علي اهميته الي محاولة طرفي الاستقطاب ' السياسي ' استغلاله لاحراز اهداف . كلٌ في مرمي الآخر. ففي الموضوع جغرافيا وتاريخ , اقدم مما جري في الاتحادية , وابعد بالتاكيد من مرمي بصر من ادمنوا النظر تحت اقدامهم --

ودليل ذلك ربما ان هذا مقال يعتمد بل ويستعيد ماكنت قد كتبته في ' وجهات نظر ' قبل سنوات , ضمن ملف مهم عن الموضوع. مما يوضح ان القضية ليست بنت اليوم. وان ما نراه اليوم ليس اكثر من حلقة في سلسلة تواصلت علي مدي عقود ثلاثة ندفع فيها ثمن تآكل لمكان ومكانة , لم نستردهما للاسف ' لاسباب مفهومة ' رغم ثورة وقف العالم في حينه مشدوها امام مشهد بات ايقونة ' لانصهار شعبها في الميدان ' , قبل ان ناخذها الي ما اخذناها اليه . استقطابا وتقسيما -- وجموحا… فجنوحا0

كان العام 1933 , عندما وقف ' الانيق ' محمد عبد الوهاب يزين جيب سترته بمنديله الابيض المميز علي شكل الاهرامات ' المصرية ' الثلاثة , ليغني من كلمات احمد شوقي ' النيل نجاشي ' .

ثم كان العام 2013 , عندما بدا مثيرا للمتابع للمشهد علي ' مسرح ' دولة المصب , ان هناك من كان قد نسي الحقيقة الجغرافية البسيطة , التي بدا بها احمد شوقي مطلع اغنيته الشهيرة ' النيل نجاشي ' و التي توارث المصريون الترنم بها منذ ان شاهدوها للمرة الاولي في فيلم ' الوردة البيضاء ' لمحمد كريم , قبل حوالي قرن كامل من الزمان.

بين التاريخين تاريخ طويل , وبقدر ما هطل علي هضبة الحبشة من امطار ' جرت في النهر مياه كثيرة ' , حسب مايقول التعبير الشائع. كان زمن عرف فيه المصريون ان التاريخ تصنعه الجغرافيا , كما تصنعه ' الارادة ' . وضع المصريون ايامها ' الدائرة الافريقية ' ضمن الدوائر الحاكمة للسياسة الخارجية ' راجع ' فلسفة الثورة ' 1953 ' .

وقتها اعتبرت كل الثورات الافريقية القاهرة عاصمة لها. جاء لومومبا , وتزوج نكروما من ' فتحية ' . وعرف بطرس بطرس غالي طريقه الي كل ركن وكل زعيم قبيلة او حركة تحرر في القارة الفتية , كما ذهب عبد الباسط عبد الصمد ليقرا القرآن هنا وهناك مازالت تسجيلاته في جوهانسبرج 1966 الاكثر انتشارا علي الانترنت -- وكان ذلك كله , وغيره كثير تجسيدا لما يعرفه اساتذة العلاقات الدولية ب ' القوة الناعمة ' . تقديرٌ ومهابة ونفوذ , لايحتاج الي سلاحٍ , او الي تهديد به.

بين التاريخين تاريخ ' ذو صلة ' طويل. بني المصريون السد العالي , بالارادة وفقط باننا ' معا نستطيع ' . لم يكتف المصريون زمنها بادراكهم ان ' النيل نجاشي ' , بل غنوا ايضا ' وقف الخلق ينظرون جميعا كيف ابني قواعد المجد… ' .

_ _ _

والحاصل ان الرصيد الذي صنعته مصر في سنوات الصعود منتصف القرن الماضي قد تلاشي في الثلاثين سنة الاخيرة. انصرفت مصر غفلة او استدراجا عن القارة ' عمقها الجنوبي ' , كما انصرفت عن غيرها , بعد ان حسبت ان امنها وامانها مرهون فقط برضا واشنطن. وكان لذلك مظاهر كثيرة . كانت مصر قد قامت باغلاق مكاتبها التجارية في افريقيا وبيع منشآتها ومبانيها في اطار ما سمِّي ب ' الخصخصة ' . ثم كان ان غابت تدريجيا عن المشاركة الفعالة التي تليق بمكانة كانت لها في مؤتمرات القمة الافريقية و المؤسسات التابعة لمنظمة الوحدة الافريقية , وجري بالتالي انحسار طبيعي للانشطة الاهلية و المدنية ابتداء من البعثات الدينية و التعليمية , وانتهاء بالازهر الشريف , بل ولحق العطب روابط كانت قوية بين الكنيسة في اثيوبيا وكنيسة الاسكندرية. ' يذكر جيلنا كيف كان الامبراطور هيلاسلاسي ينحني ليقبل يد البابا كيرلس ' ولم تحاول مصر الرسمية ' المنشغلة ' الابقاء علي شيء من هذه العلاقات , و التي كانت من اهم الروابط بين الشعبين في كل من مصر واثيوبيا.

لقد تركت مصر التي انكفات علي ذاتها لعقود , افريقيا خالية من اي دور او مكانة مصرية. وكان من الطبيعي ان تخلو الساحة للآخرين. جاء الصينيون من الشرق , و الايطاليون من الشمال -- وبالطبع كان الفرنسيون و الامريكيون , وحتي الاسرائيليون هناك.

لم تعد مصر اذن هي مصر التي عرفها الافارقة , كما لم تعد اثيوبيا التي ياتي منها 85 في المائة من مياه النيل هي الدولة الحليف. ولذلك قصة طويلة , لعبت فيها اطراف كثيرة.

في عام 1974 وصل ' منجستو هايلاميريام ' بالشيوعيين الي السلطة في اثيوبيا. فتغيرت سياسة مصر التي كانت قد اختارت بوضوح الانحياز للمعسكر الغربي تجاه اثيوبيا من النقيض الي النقيض. بدا ' السادات ' خصومة غير مباشرة مع اثيوبيا , تبدت في موقف مصر المعلن وقتها من الصراع حول اوجادين. فضلا عن تاييد باساليب مختلفة لكل من اريتريا و النميري.

ثم كان ان جاء ' النيل ' ليصل بالخلاف المكتوم , الي ذروة العلانية عندما اعلن السادات عن فكرته لتوصيل مياه النيل الي اسرائيل ' 1979 ' ليخرج منجستو مذكرا بالاتفاقات التي تمنع مصر من ان تفعل ذلك , ومهددا بان اثيوبيا ستبني سلسلة من السدود و الخزانات. وقتها هدد السادات بالحرب ' للحفاظ علي الحقوق المكتسبة و التاريخية في مياه النيل ' ورد منجستو ملوحا بانهم علي استعداد لان يكون النهر ' نهرا من الدماء ' --

ثم كان ان ذهب السادات -- ثم ذهب منجستو. وبقي النيل في مكانه . ' نجاشي ' ياتي من الحبشة ويجري الي مصر -- ويغني له عبد الوهاب.

_ _ _

هل اسرائيل هناك -- ؟

رغم انه من غير المنطقي او الواقعي الذهاب بعيدا مع الذين ينشغلون بالبحث عن الاصابع الاسرائيلية وراء كل قصة. الا ان الاهتمام الاسرائيلي بافريقيا لا يخفي علي احد , خاصة بعد ان كسرت معاهدة السلام مع مصر حاجزا تقليديا بين اسرائيل و القارة السوداء واتاحت لتل ابيب فرصة اقامة علاقات دبلوماسية مع دول افريقيا التي لم تكن حتي تعترف بها.

علي كل حال , فللاسرائيليين مع النيل قصة يذكرها كل من اهتم بهذا الملف.

في 16 يناير 1979 نشرت مجلة ' اكتوبر ' , ذات العلاقة المعروفة بالرئيس الراحل انور السادات خطابا من الرئيس المصري الي مناحم بيجين رئيس الوزراء الاسرائيلي يقول فيه : ' سوف نجعل مياه النيل مساهمة من الشعب المصري باسم ملايين المسلمين كرمز خالد وباق علي اتفاق السلام , وسوف تصبح هذه المياه بمثابة مياه زمزم لكل المؤمنين اصحاب الرسالات السماوية في القدس ودليلا علي اننا رعاة سلام ورخاء لكافة البشر ' . وقالت المجلة ان السادات اعطي بالفعل اشارة بدء حفر الترعة , وطلب عمل دراسة جدوي دولية لتوصيل المياه الي القدس.

ورغم ان الاستاذ انيس منصور و الذي كان رئيسا لتحرير اكتوبر وقتها ومقربا من الرئيس السادات قال بعد ذلك ان السادات لم يكن يقصد , وان الرسالة لم تكن اكثر من بالون اختبار , الا ان الدكتور بطرس غالي و الذي كان وزيرا للدولة للشئون الخارجية ايام السادات , كان قد قد قال في مذكراته ان موشي ديان ابلغه موافقة الرئيس السادات علي مد مياه النيل لاسرائيل وهنا ابلغ بطرس غالي الدكتور مصطفي خليل رئيس الوزراء بما سمعه وهرع الاثنان للسادات للتاكد من الخبر فاكده لهما!! وهنا ابلغه د.مصطفي خليل ان هذا غير قانوني ويتنافي مع اتفاقيات حوض النيل فقال له السادات و الرواية لغالي ' نبقي نقول لهم المية بتروح في البحر ' .

ايا ماكان الامر , فالفكرة رغم غموض مازال يحيط بكثير من تطوراتها لم تتم. ولكنها بقيت دوما في خلفية مايجري. كما بقيت مذكِّرة دوما بالدور الذي لعبته المياه في الصراع العربي الاسرائيلي. وبالتذكير به كرقم اساسي في معادلة الامن القومي.

في صفحات التاريخ نقرا :

_ في مارس 1903 ومن نافذة فندق ' شبرد ' , الذي كان ينزل فيه , تامل تيودور هيرتزل طويلا نيل القاهرة الذي يجري امامه قبل ان يذهب للقاء اللورد كرومر ليقترح عليه ' ان نمد فرعا من النيل الي صحراء سيناء لنتمكن من توطين اليهود المهاجرين هناك ' , وكانت مسالة توطين اليهود في سيناء محل بحث وقتها , وموضوعا لمفاوضات ماراثونية يهودية بريطانية اشترك فيها تشامبرلين وزيرالمستعمرات البريطانية , وغيره من المسؤولين البريطانيين. اصطدمت علي الدوام بعدم ترحيب بطرس غالي ' الاب ' وزير الخارجية المصري ايامها , قبل ان تنهار تماما علي صخرة الاسباب التقنية التي طرحها مهندس الري البريطاني وليام جارستون الذي كان رايه ان المشروع ' غير عملي. فضلا عن ان البريطانيين انفسهم لم يرحبوا بايقاف الحركة في قناة السويس لحين الانتهاء من حفر نفق لتمر به المياه اسفلها. ' Stewart , Desmond. ' Herzl’s Journeys in Palestine and Egypt. ' Journal of Palestine Studies 3 , No. 3 ' 1974 ' : 18_38 '

_ في عام 1967 , نشبت الحرب التي غيرت نتائجها مجريات الصراع في الشرق الاوسط. ولم يكن ' تحويل مجري نهر الاردن ' ببعيد عن كل ماجري.

_ في عام 1982 وتحت مسمي ربما كان ذا دلالة ' عملية الليطاني ' , اقدمت اسرائيل علي غزو لبنان للسيطرة علي نهر الليطاني , و الذي وفر لها 800 مليون متر مكعب من المياه سنويا.

_ في اوائل التسعينيات من القرن الماضي ظهر كتاب لخبير المياه الاسرائيلي ' اليشع كيلي ' , يعرض فيه من الناحية التقنية مشروعا متكاملا لتنفيذ فكرة هيرتزل القديمة ' Kally , Elisha , and Gideon Fishelson. Water Resources and the Arab_Israeli Peace Process. Westport , Conn : Praeger , 1993 '

-- .وغير ذلك كثير. دون مرة اخري ان نذهب بتوقعاتنا بعيدا. او ان نقع في محظور اختزال الامر كله في ' مؤامرات اسرائيلية ' مفترضة. فالحقيقة ان المسالة ابعد من ذلك بكثير , واننا وحدنا نتحمل المسؤولية كاملة.

_ _ _

هل لمصر حق قانوني في النزاع الحالي حول مياه النيل؟

الاجابة الواضحة و المختصرة : ' نعم ' وفي ذلك تفصيل كثير يكفي مراجعة اتفاقية فيينا لعام 1978 الخاصة بالتوارث في مجال المعاهدات الدولية و التي تقضي بعدم المساس بحقوق الدول النهرية

ولكن السياسة لم تكن ابدا قانونا فقط. فكما اهدرت السياسة يوما ما ما اتت به الحرب عام 1973 , هانحن نخشي اليوم ان نراها وقد اهدرت حقا قانونيا لم نعد في المكان ' او المكانة ' التي تمكننا من الحفاظ عليه.

والخلاصة ان السياسة المصرية تجاه ملف النيل في السنوات الاخيرة جانبها التوفيق , اذ بدا انها انها اطمانت كعادتها الي ' التوقع بالتمنيات ' . فطوال اكثر من عشر سنوات من المفاوضات لم ننتبه الي اصرار دول المنبع علي مطالبهم , بل ولم نكترث بان هناك ابحاثا علمية تجري هناك , ودراسات جدوي , ووفود تذهب وتجيء. لم نر جديدا هناك , رغم انه كان يطرق بابنا كل يوم. لم يخدعنا احد , فموقف الآخرين كان ' واضحا ومحددا ومعلنا ' , لعشر سنوات كاملة. ورغم ماجري في كينشاسا ' 2009 ' من خلاف بدا لكل ذي عينين انه تجاوز خط اللاعودة , الا ان المنهج ' الفرعوني ' في التفكير كان كعادته كافيا لعدم رؤية ' عصا موسي تتحرك ' .

تغير العالم -- فرفضنا رؤيته يتغير. ورفضنا ان نعترف ولو لانفسنا اننا تغيرنا , فكان طبيعيا ان يتغير الآخرون. رفضنا ان ندرك ان التمثال القائم في جوهانسبرج هو لعبد الناصر الراحل منذ اربعين عاما , لا لاحد بعده. كما غفلنا عن ان ثلاثين عاما من الابتعاد و التعالي عن القارة ' السوداء ' التي كنا يوما الهاما لثوارها وقادتها له بالتاكيد تبعاته وآثاره. وبدا مضحكا ان من نسي تاريخه , يتحدث اليوم عن حقه التاريخي.

قبل سنوات ثلاث ' 2010 ' , وبعد ان نبهت الصحافة المصرية الي ان هناك مشكلة في الافق , تذكرت مصر الرسمية ان هناك بلدا ' يملك مفاتيح النهر ' اسمه اثيوبيا. ولطمانة المصريين الذين كانوا في طريقهم الي صناديق الاقتراع. حرص التلفزيون المصري ' الرسمي ' علي اجراء حوارمع رئيس حكومتها ميليس زيناوي ' توفي في اغسطس من العام الماضي ' . وكان الرجل قد ادلي بحديث ' للجزيرة ' قبلها بايام ' 19 مايو 2010 ' قال فيه نصا : ' اعرف ان البعض في مصر لديهم افكار بالية تستند الي ان مياه النيل هي ملك لمصر وهي تمتلك الحق في كيفية توزيع مياه النيل , وان دول المنبع غير قادرة علي استخدام المياه لانها غير مستقرة وفقيرة ' .

مضيفا : ' هذه الظروف تغيرت , فاثيوبيا فقيرة ولكنها قادرة علي تسخير الموارد الطبيعية الضرورية لاقامة اي اشكال من البني التحتية و السدود علي النهر -- لا اري ما يمنع مصر من الانضمام للركب , لن تستطيع مصر ان توقف اثيوبيا او تمنعها من بناء سدود علي النهر , هذا تاريخ ولن يكون جزءا من الحل , فالحل ليس هو محاولة مصر ان توقف ما لا يمكن وقفه ' .

قد يكون ان اية اجراءات قد تقوم بها اثيوبيا او غيرها , لن يكون لها تاثير علي الارض قبل عشرين عاما علي الاقل , كما طمان سياسيون مصريون ناخبيهم يومها. ولكن تبقي حقيقة ان عشرين عاما في عمر النهر , ليست اكثر من طرفة عين.

يومها بدا رغم اهتمام التلفزيون الرسمي بالحوار , وبالبلد الآفريقي ' الشقيق ' ان هناك من جاء متاخرا جدا فاثيوبيا / زيناوي , لم تعد هي الحبشة / هيلاسلاسي. وان ما سمعناه يومها من الحاكم الاثيوبي , لم يكن ابدا تكرارا لما كان اسلافنا يسمعونه من ' الامبراطور ' في حضرة ' الزعيم ' او في بهو الكاتدرائية المصرية في العباسية.

_ _ _

اين نحن الآن؟ ربما امكن تلخيص شيء من الاجابة في النقاط التالية :

بعد سنوات من المفاوضات , خسر المصريون , ربما بلاعودة معركة التمسك بالاتفاقات القديمة. فما جري قد جري , و الدول السبع التي وقعت في عنتيبي , قد مضت خطوة الي الامام كما قال لنا زيناوي قبل سنوات ثلاث ولا يعنيها من بعيد او قريب ان يتمسك البعض باتفاقياتهم القديمة. ' نحن نعيش في قرن جديد ' كررها الرجل احدي عشرة مرة في حديثه للتلفزيون المصري , كانما يقولها لمن لايريد ان يعترف بحتمية ' التغيير ' .

الملف الذي ترك عشر سنوات كاملة للفنيين , رغم حقيقة مركزيته في ' الامن القومي ' المصري , اتضح انه سياسي بامتياز. ولم يعد العامل الحاسم في المعادلة هنا , مقياس النيل ارتفاعا وانخفاضا , او بندا في اتفاقية هنا او بندا هناك. وانما ' قدرة ' كل طرف علي ان يصل الي اهدافه. ويعرف التاريخ و العلاقات الدولية ان لهذه القدرة عوامل ومعايير.

رغم تخوفٍ مشروع من ان دبلوماسية اللحظة الاخيرة جاءت بعد ' ان سبق السيف العزل ' , الا ان لاشيء غيرها ممكنٌ ' وواقعي ' الآن. شرط ان يكون لها استراتيجية واضحة , وان لاتكتفي بالتعامل مع التداعيات دون النظر الي المسببات.

ان حل مشكلات حوض النيل بعد ان فات مافات يتطلَّب النظرة الي الحوض كوحدة مائية واقتصادية وبيئية واحدة واعتراف كل دولة بحقوق الدول الاخري , دون حديث استعلائي جري اختباره. يقول الخبراء ان الطاقة الكهربائية في اثيوبيا التي يمكن توليدها من النيل وحده تكفي كل دول الحوض , وان امكانيات السودان الزراعية , و الثروة السمكية في البحيرات الاستوائية تشكل آفاقا واسعة للتعاون. يبقي ذلك كله مرهونا ' بالسياسة ' .

_ _ _

وبعد --

فلا احد يملك بحسابات المسؤولية التاريخية ان يهون من الامر , ف ' مصر هبة النيل ' , ليس مجرد قول ماثور لمؤرخ مشهور , ولاعبارة يبدا بها التلاميذ مواضيع الانشاء. بل هي حقيقة حفرتها الجغرافيا في كتاب التاريخ. وعبر آلاف السنين كان النيل دوما اشبه ' بالحبل الشوكي/ العصبي ' الذي يربط الجسم كله زراعة واقتصادا وتكاملا ' ودولة مركزية ' . يحدثنا المقريزي ان الناس في مصر ' كانت تاكل بعضها بمجرد ان ينقص مقياس النيل لاقل من 16 ذراعا ' .

ولكن لااحد يملك اليوم , وايضا بحسابات المسؤولية التاريخية , ان يتحدث ' حديث السادات ' مهددا بقصف اديس ابابا ' منجستوهيلاماريام ' , فتلك لغة ' قرن فات ' , وارجعوا الي حديث زيناوي واشاراته الاحدي عشرة.

_ _ _

' النيل نجاشي ' نعم منذ ان عرفناه قبل آلاف السنين. ولكن عرفنا ايضا ان احدا لم يبخل به يوما حبا او احتراما علي مصر -- ' التي كانت ' .

و اقراوا التاريخ .


النِّجاشِيّ : في ' لسان العرب ' هوكلمةٌ للحبَش تُسَمي بها ملوكها .


و الكلمة في اللغة العربية منذ بداية عهد الدعوة الاسلامية , فقد اذِن الرسول [ لعدد من اصحابه الذين لَقُوا الاضطهاد من قريش في الهجرة الي ارض الحبشة ' فان فيها ملِكا لا يُظلَم عنده احد ' , وكان لقب ذلك الملك ' النجاشي ' .

ليست هناك تعليقات :